Social Icons

الخميس، 24 نوفمبر 2011

قصة أنس بن مالك والحجاج وفيها دعاء من دعا به لم يجعل الله لأحد عليه سبيل


حدّث عبدالله بن أبان الثقفي رضي الله عنه قال : وجّهني الحجّاج في طلب أنس بن مالك رضي الله عنه فظننت أنه يتوارى عنه , فأتيته بخيلي ورجلي , فإذا هو جالس على باب داره مادّاً رجليه ،
فقلت له : أجب الأمير،
فقال : أي الأمراء ؟
فقلت : أبو محمد الحجّاج ،
فقال : غير مكترث (غير مبال ولامحزون)
قد أذله الله ، ما أرى أذل منه ، لأن العزيز من عزّ بطاعة الله والذليل من ذل بمعصية الله ، وصاحبك قد بغى وطغى ، وإعتدى وخالف كتاب الله والسنه ، والله لينتقم الله منه
فقلت له : أقصر عن الكلام ، وأجب الأمير
فقام معنا حتى حضر بين يدي الحجّاج ،
فقال له :أنت أنس بن مالك ؟
قال : نعم.
قال الأمير: أنت الذي تدعو علينا وتسبّنا ؟
قال : نعم.
قال : وممّ ذاك ؟
قال : لأنك عاص لربّك , مخالفٌ لسنّة نبيّك محمد صلى الله عليه وسلم ،
وتعزّ أعداء الله وتذلّ أولياء الله ،
فقال له : أتدري ما أريد أن أفعل بك ؟
قال : لأ.
قال : سأقتلك شر قتله ,
قال أنس رضي الله عنه : لو علمت أن ذلك بيدك لعبدتك من دون الله .
قال الحجّاج : لمً ذاك ؟
قال : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم علمني دعاء , وقال من دعا به كل صباح لم يكن لأحد عليه سبيل , وقد دعوت به في صباحي هذا !!
فقال الحجّاج : علمنيه !!
فقال أنس رضي الله عنه : معاذ الله أن أعلّمه لأحد مادمت أنت في الحياة ,
فقال الحجّاج : خلّوا سبيله !
فقال الحاجب : أيها الأمير لنا في طلبه كذا وكذا يوما حتى أخذناه فكيف نخلّي سبيله ؟
قال الحجّاج : لقد رأيت على عاتقه أسدين عظيمين فاتحين أفواههما .
ثم إن أنسا رضي الله عنه لما حضرته الوفاة علّم الدعاء لإخوانه وهو :
بسم الله الرحمن الرحيم , بسم الله خير الأسماء
بسم الله الذي لا يضر مع إسمه أذى
بسم الله الكافي ,
بسم الله المعافي ,
بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ,
بسم الله على نفسي وديني ..
وبسم الله على أهلي ومالي ،
بسم الله على كل شي أعطانيه ربّي ،
الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر
أعوذ بالله مما أخاف وأحذر ،
الله ربّي لا أشرك به شيئا
عز جارك ،
وجلّ ثناؤك وتقدّست أسماؤك
ولا إله غيرك ,
اللهم إني أعوذ بك من شر كل جبّار عنيد
وشيطان مريد
ومن شرّ قضاء السوء
ومن شر كل دابة أنت اخذُ بناصيتها
إن ربّي على صرط مستقيم .

امراة لوط (عليه السلام)


حدث أن بعث الله الملائكة الذين أمرهم بإنزال العقوبة بأهل سدوم، بعثهم ضيوفاً على لوط (علية السلام) ولوط لايعرف مَنْ هم ولاماذا يريدون، فاستاء من حضورهم وارتبك كما قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيئ بهم، وضاق بهم ذرعاً، وقال هذا يوم عصيب} وبات لايدري ماذا يفعل حتى يصرفهم، قبل أن يعلم أهل سدوم بقدومهم.

زوجة لوط (علية السلام) لاتحفظ سره

ورد الملائكة(عليكم السلام) على لوط عليه السلام وهو في أرض له يسقي زرعها، ويعمل فيها، وهو لايعرفهم، فطلبوا منه أن يضيفهم عنده فاستحيا ألا يجيبهم إلى طلبهم، رغم ما كان يخشاه عليهم من أهل سدوم، فانطلق أمامهم وراح يلمح لهم في كلامه عن فعل أهل تلك البلاد وسوء تصرفهم، علَّ الضيوف يعلمون فيغيرون رأيهم وينطلقون إلى قرية أخرى يستضيفون أهلها، ولكن الملائكة كانوا يعلمون كل شئٍ عن أفعال أهل سدوم. وكانوا على يقين أنه لن يصيبهم منهم أذى ولا حتى لوط(علية السلام)..


قال لوط(علية السلام): إن أهل هذه القرية قوم سوء يأتون المنكر، فهم ينكحون الرجال ويأخذون أموالهم..

فقال الملائكة: لقد تأخرنا فأضفنا الليلة فقط.. وظل يحادثهم في الحقل حتى أرخى الليل سدوله، وهو يقصد أن يذهب بهم إلى بيته دون أن يشعر أهل سدوم بهم.

ثم إن لوطاً(علية السلام) انطلق أمامهم إلى منزله، وأخبر زوجته واهله بأمرهم، قائلاً لها: إنه قد أتانا أضياف هذه الليلة فاكتمي أمرهم ولاتعلمي أهلك بهم، ولكِ عليَّ أن أسامحك بكل مابدرَ منك تجاهي من أذى إلى اليوم.. فقالت: أفعل.

كانت امرأة لوط (علية السلام) على دين قومها، وكانت بينها وبينهم علامة تدلهم ما إذا كان لوط(علية السلام) قد ضيّف أحداً أم لا... وكانت تلك العلامة أن تدخن فوق السطح نهاراً، وأن تشعل فوقه النار ليلاً.

وما أن دخل الملائكة الضيوف منزل لوط (علية السلام) وهو معهم، حتى قامت زوجته وأوقدت ناراً فوق سطح المنزل، ليعلم قومها بضيوف لوط (علية السلام). وهكذا أفشت أمرهم.

لوط (علية السلام) يدافع عن ضيوفه

رأى أهل سدوم النار فوق سطح منزل لوطٍ (علية السلام) وكانت علامة على وجود الضيوف، فتوافدوا إليه يريدون الأضياف ويتهددون لوطاً (علية السلام) قائلين: {أولم ننهك عن العالمين}.

وقد حكى الله ذلك عنهم في كتابه الكريم فقال: { وجاء أهل المدينة يستبشرون. قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون}. وقال: {وجاء قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات. قال ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولاتخزون في ضيفي}.

وأصر أهل سدوم على طلبهم وفعلتهم، فتعجب لوط (علية السلام) من أمرهم وتحير، ولكنه راح يدفعهم ويحول بينهم وبين الوصول إلى ضيوفه، ويجادلهم محاولاً إقناعهم بالإقلاع عن هذه الفاحشة المنكرة، وأنه ما من إنسان عاقل رشيد يقدم على ارتكاب فاحشة اللواط التي يقدمون عليها: {أليس منكم رجل رشيد}؟ تحترمون رأيه لينهاكم عن مثل ذلك؟!

ولكن القوم، وقد أعمى الشيطان بصائرهم، ظلوا يتدافعون للوصول إلى الضيوف.. فراح لوط (علية السلام) يلفتهم إلى أن الله قد أحل لهم النساء وفيهن غنى عن إتيان الرجل وارتكاب تلك الفاحشة المخزية المردية. قائلاً لهم: {ياقوم هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. هن أطهر لكم فاتقوا الله ولاتخزون في ضيفي... قالوا: لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم مانريد}.

ولما لم ينفع معهم أسلوب اللين والإغراء وتحقيق مطلبهم دون ارتكاب المحرم... أدرك اليأس لوطاً(علية السلام) وعلم أنه يستحيل إصلاحهم وقد فسدت فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فقال(علية السلام) : {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد}.

ولم يكن له بهم قوة فآوى إلى ركن شديد... لجأ إلى الله يبثه شكواه ومعاناته من أهل سدوم وهو يتهددهم بعذاب الله الشديد.. ولكنهم هزئوا به وسخروا منه وقالوا له: {ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين}.

الضيوف رسل العذاب

ولم ينفع الوعد والوعيد في ثني أهل سدوم عن ضلالتهم، فراح لوط (علية السلام) يدعو ربه أن يخلصه منهم ومما يعملون، وقد ازداد خوفه وقلقه على ضيوفه، وهو يرى قومه يتدافعون إلى المنزل وهو لايقوى على ردعهم بأي وسيلة و{قال: رب انصرني على القوم المفسدين}.

وجار الرد الإلهي سريعاً وعلى لسان الضيوف الملائكة، فقالوا: {يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل ولايلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب}.

وخاف لوط وحزن ولكن الملائكة طمأنوه: {وقالوا: لاتخف ولاتحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}.

وبدأت نذر العذاب تظهر بينما القوم يراودون لوطا ً(علية السلام) عن ضيفه: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر}.. فما هي إلا لحظات حتى أصيب القوم بالعمى، وراحوا يتحسسون الحيطان ليهتدوا إلى الطريق، ومع ذلك لم يرعووا عن غيهم وضلالهم ولم يعتبروا بما حدث لهم، فأخذوا يهددون لوطاً (علية السلام) ويتوعدونه قائلين: إذا كان الغد كان لنا وله شأن.

وخرج لوط (علية السلام) من سدوم دون أن يلتفت ومعه ابنتاه ولم يخرج معه منهم إلا امرأته.. وتوجه إلى حيث أمره الله تعالى... إلى صوعر وبينما هم في الطريق إذ جاءت الصيحة تعلن نزول العذاب بأهل سدوم. فصرخت امرأة لوط: واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها وقد {صبحهم بكرة عذاب مستقر} وجعل الله عالي بلادهم سافلها وأمطر عليها {حجارة من سجّيل منضود. مسومة عند ربك}.

وكانت سبع مدن يسكنها أربعة آلاف أو أربعمئة ألف، وقد أخرج الله من كان فيها من المؤمنين وماكان فيها {غير بيت من المسلمين} هو بيت لوط (علية السلام) {فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين ثم دمرنا الآخرين}. ذلك أن الله سبحانه أمر جبرائيل فاقتلع تلك البلاد بطرف جناحه، ورفعها حتى بلغ بها عنان السماء. ثم قلبها بمن فيها وما فيها، فجعل عاليها سافلها، وجعل الله مكانها بحرة منتنة لاينتفع بمائها ولابما حولها من الأراضي المحيطة بها، فصارت عبرة لمن اعتبر وآية على قدرة الله وعذابه: {وإنها لبسبيل مقيم} {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون} وكما قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ... وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم}.

وهكذا لم تنج إلا قرية صوعر التي لجأ إليها نبي الله لوط (علية السلام).. يقول تعالى: {كذبت قوم لوط بالنذر. إنا أرسلنا عليهم حاصباً إلا آل لوط نجّيناهم بسحر. نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر. ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر. ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر. ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر. فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر}.

{ والمؤتفكة أهوى فغشاها ماغشى فبأي آلاء ربك تتمارى} {إن في ذلك لآية وماكان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.

والان المنطقه التى سخط فيها قوم لوط هي منطقه البحر الميت في الاردن

قصة أصحاب الْأُخْدُودِ


الآيات : 4-9 من سورة البروج
قال تعالى: { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ(4)النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ(5)إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ(6)وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُود(7)وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِالْحَمِيد(8)الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(9) } صدق الله العظيم

القصــــــة
إنها قصة فتى آمن، فصبر وثبت، فآمنت معه قريته.
لقد كان غلاما نبيها، ولم يكن قد آمن بعد. وكان يعيش في قرية ملكها كافر يدّعي الألوهية. وكان للملك ساحر يستعين به. وعندما تقدّم العمر بالساحر، طلب من الملك أن يبعث له غلاما يعلّمه السحر ليحلّ محله بعد موته. فاختير هذا الغلام وأُرسل للساحر.

فكان الغلام يذهب للساحر ليتعلم منه، وفي طريقه كان يمرّ على راهب.فجلس معه مرة وأعجبه كلامه. فصار يجلس مع الراهب في كل مرة يتوجه فيها إلى الساحر. وكان الساحر يضربه إن لم يحضر. فشكى ذلك للراهب. فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر.

وكان في طريقه في أحد الأيام، فإذا بحيوان عظيم يسدّ طريق الناس. فقال الغلام في نفسه، اليوم أعلم أيهم أفضل، الساحر أم الراهب. ثم أخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. ثم رمى الحيوان فقلته، ومضى الناس في طريقهم. فتوجه الغلام للراهب وأخبره بما حدث. فقال له الراهب: يا بنى، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدلّ عليّ.

وكان الغلام بتوفيق من الله يبرئ الأكمه والأبرص ويعالج الناس من جميع الأمراض. فسمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فَقَدَ بصره. فجمع هدايا كثرة وتوجه بها للغلام وقال له: أعطيك جميع هذه الهداية إن شفيتني.
فأجاب الغلام: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك.
فآمن جليس الملك، فشفاه الله تعالى.

فذهب جليس الملك، وقعد بجوار الملك كما كان يقعد قبل أن يفقد بصره. فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فأجاب الجليس بثقة المؤمن: ربّي. فغضب الملك
وقال: ولك ربّ غيري؟
فأجاب المؤمن دون تردد: ربّي وربّك الله.
فثار الملك، وأمر بتعذيبه. فلم يزالوا يعذّبونه حتى دلّ على الغلام.
أمر الملك بإحضار الغلام،
ثم قال له مخاطبا: يا بني، لقد بلغت من السحر مبلغا عظيما، حتى أصبحت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل.
فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى.
فأمر الملك بتعذيبه. فعذّبوه حتى دلّ على الراهب.
فأُحضر الراهب وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى الراهب ذلك. وجيء بمشار، ووضع على مفرق رأسه، ثم نُشِرَ فوقع نصفين. ثم أحضر جليس الملك،
وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فَفُعِلَ به كما فُعِلَ بالراهب. ثم جيء بالغلام وقيل له: ارجع عن دينك. فأبى الغلام.
فأمر الملك بأخذ الغلام لقمة جبل، وتخييره هناك، فإما أن يترك دينه أو أن يطرحوه من قمة الجبل.

فأخذ الجنود الغلام، وصعدوا به الجبل،
فدعا الفتى ربه: اللهم اكفنيهم بما شئت. فاهتزّ الجبل وسقط الجنود. ورجع الغلام يمشي إلى الملك.
فقال الملك: أين من كان معك؟
فأجاب: كفانيهم الله تعالى. فأمر الملك جنوده بحمل الغلام في سفينة، والذهاب به لوسط البحر، ثم تخييره هناك بالرجوع عن دينه أو إلقاءه.

فذهبوا به، فدعى الغلام الله: اللهم اكفنيهم بما شئت.
فانقلبت بهم السفينة وغرق من كان عليها إلا الغلام.
ثم رجع إلى الملك.
فسأله الملك باستغراب: أين من كان معك؟ فأجاب الغلام المتوكل على الله: كفانيهم الله تعالى.
ثم قال للملك: إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به.
فقال الملك: ما هو؟
فقال الفتى المؤمن: أن تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبي على جذع، ثم تأخذ سهما من كنانتي، وتضع السهم في القوس، وتقول "بسم الله ربّ الغلام" ثم ارمني، فإن فعلت ذلك قتلتني.

استبشر الملك بهذا الأمر.
فأمر على الفور بجمع الناس، وصلب الفتى أمامهم. ثم أخذ سهما من كنانته، ووضع السهم في القوس،
وقال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه فأصابه فقتله.
فصرخ الناس: آمنا بربّ الغلام.
فهرع أصحاب الملك إليه وقالوا: أرأيت ما كنت تخشاه! لقد وقع، لقد آمن الناس.
فأمر الملك بحفر شقّ في الأرض، وإشعال النار فيها. ثم أمر جنوده، بتخيير الناس، فإما الرجوع عن الإيمان، أو إلقائهم في النار.
ففعل الجنود ذلك، حتى جاء دور امرأة ومعها صبي لها، فخافت أن تُرمى في النار.
فألهم الله الصبي أن يقول لها: يا أمّاه اصبري فإنك على الحق.

أستدعى الملك وزرائة الثلاثة

أستدعى الملك وزرائة الثلاثة
وطلب منهم أمر غريب
طلب من كل وزير أن يأخذ كيس ويذهب إلى بستان القصر
وأن يملئ هذا الكيس للملك من مختلف طيبات الثمار والزروع
كما طلب منهم أن لا يستعينوا بأحد في هذه المهمة
 و أن لا يسندوها إلى أحد أخر
أستغرب الوزراء من طلب الملك وأخذ كل واحد منهم كيسة وأنطلق إلى البستان
فأما الوزير الأول
 فقد حرص على أن يرضي الملك
 فجمع من كل الثمرات من أفضل وأجود المحصول
 وكان يتخير الطيب والجيد من الثمار حتى ملئ الكيس
أما الوزير الثاني
 فقد كان مقتنع بأن الملك لا يريد الثمار ولا يحتاجها لنفسه
 وأنه لن يتفحص الثمار
 فقام بجمع الثمار بكسل وأهمال فلم يتحرى الطيب من الفاسد
حتى ملئ الكيس بالثمار كيف ما اتفق
أما الوزير الثالث
 فلم يعتقد أن الملك سوف يهتم بمحتوى الكيس اصلا
 فملئ الكيس بالحشائش والأعشاب وأوراق الأشجار
وفي اليوم التالي أمر الملك أن يؤتى بالوزراء الثلاثة مع الأكياس التي جمعوها
فلما أجتمع الوزراء بالملك
 أمر الملك الجنود بأن يأخذوا الوزراء الثلاثة ويسجنوهم
 كل واحد على حدة مع الكيس الذي معة لمدة ثلاثة أشهر
في سجن بعيد لا يصل أليهم فيه أحد
  وأن يمنع عنهم الأكل والشراب
فاما الوزير الأول
 فبقي يأكل من طيبات الثمار التي جمعها حتى أنقضت الأشهر
 الثلاثة
وأما الوزير الثاني
فقد عاش الشهور الثلاثة في ضيق وقلة حيلة معتمدا على ماصلح فقط من الثمار التي جمعها
أما الوزير الثالث
 فقد مات جوع قبل أن ينقضي الشهر الأول
وهكذا أسأل نفسك
من أي نوع أنت ؟
 فأنت الأن في بستان الدنيا
لك كامل الحريه
أن تجمع من الأعمال الطيبة أو الأعمال الخبيثة
 ولكن غدا عندما يأمر ملك الملوك سبحانه وتعالى
 أن تدفن في قبرك
في ذلك المكان الضيق المظلم
 لوحدك
 ماذا تعتقد سوف ينفعك غير طيبات الأعمال
 التي جمعتها في حياتك الدنيا
 لنقف الآن مع انفسنا
ونقرر
 ماذا سنفعل غدا
في قبرنا ؟
اللهم آتنا في الدنيا حسنه
وفي الآخرة حسنه وقنا عذاب النار
وأدخلنا الجنة مع الأبرار
يا عزيز يا غفار

قصة امرأة زانية فى عهد موسى( عليه السلام)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هذه قصة حصلت في عهد موسى عليه السلام ، و القصة كالتالي

أن إمرأة أتت إلى موسى عليه السلام تائبة وقالت له يا موسى أنا زنيت و قد حملت
من الزنا و عندما أنجبت الطفل قتلته

فقال لها موسى عليه السلام : ما هذا العمل العظيم الذي فعلتي ، أخرجي من هنا قبل أن ينزل الله علينا نار من السماء بسبب ما فعلتي

وذهبت المرأة ، ثم أرسل الله عز وجل ملك من السماء إلى موسى عليه السلام يقول له: ماذا فعلت بالمرأة التائبة ، أما وجدت أفجر منها؟؟؟؟

فقال موسى و من أفجر منها ؟؟؟؟؟

فقال : تارك الصلاة عامداً متعمداً ، عمله أعظم مما عملت هذه المرأة

والحين  كيف حالنا و حال شبابنا ، ما أحد يركعها و بعضهم يصلون فرضين أو ثلاث
! كأن الدين على كيفهم
الله يستر علينا يارب و يثبتنا على طاعته
اللهم آميييييين
جمع الصلوات
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من جمع صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر"

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تتركن صلاة متعمداً. فإنه من ترك صلاة متعمداً برئت منه ذمة الله" تخيل.. ذمة الله برئت منه!! فلا رعاية ولا حماية ولا حراسة من الله عز وجل...


ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج: "ورأيت ليلة أسري بي أناساً من أمتي ترضخ رؤوسهم بالحجارة (أي تكسر بها) كلما رضخت عادت فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين كانت رؤوسهم تتكاسل عن الصلاة"!!


يقول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) مريم: 59
.


يقول ابن عباس رضي الله عنه: ليس معنى أضاعوا الصلاة تركوها بالكلية.. ولكن كانوا يجمعونها فيؤخرون صلاة الظهر إلى صلاة العصر ويؤخرون صلاة المغرب إلى صلاة العشاء.. والغي: واد في جهنم تستعيذ منه النار لشدة حره!

فهل يصر أحد بعد ذلك على جمع الصلوات

انا حسان الذي لم تخلق النار الا لي


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

كان هناك ثلاثة من الشباب الصالحين نحسبهم كذلك والله حسيبهم أتفقوا على أن يجتمعوا كل يوم قبل صلاة الفجر بساعة ليذهبوا لأحد المساجد ويصلوا ويتهجدوا الى أذان الفجر .

وذات يوم تأخر أحدهم حتى لم يبقى على الأذان الا نصف ساعة , ولما وصلهم وركبوا معه اذا بهم بسيارة تمر بجانبهم تكاد تنفجر من شدة وارتفاع صوت الأغاني , فقالوا لبعضهم دعونا نلحق به لعل الله أن يكتب هدايته على أيدينا.

وأنطلقوا وراءه بسرعه ومن شارع الى شارع وأخذوا يؤشرون له بالأنوار , فظن أنهم يتحدونه ويريدون مضاربته فتوقف وتوقفوا

ونزل وهو غضبان وكان طويل القامة ضخم الجثة ويقول لهم ماذا تريدون هل تريدون أن تضاربون ؟

فردوا عليه بالسلام عليكم

فقال في نفسه عجبا أن من يريد المضاربة لا يسلم !!

فرد عليهم قوله ثانية من منكم يريد أن يضارب؟؟

فردوا عليه بالسلام

فقال وعليكم السلام

فقالوا له يا أخونا هل تعلم في أي ساعة انت ؟ أنت في ساعة السحر , أنت في الساعة التي ينزل فيها الله عزوجل الى السماء الدنيا نزولا يليق بجلالة فلا يدعوه عبدا من عباده الا أستجاب له ولا سأله شيئا الا أعطاه اياه .

فقال يبدو انكم لا تعرفون من أنا !!

قالوا ومن أنت ؟

قال ألم أقل لكم أنكم لم تعرفوني

انا حسان الذي لم تخلق النار الا لي ...

فقالوا نعوذ بالله ما هذا الكلام اتق الله ولا تقنط من رحمته وأخذوا يذكرونه بالتوبة وأن الله رحيم بعباده وهو الغفور الرحيم.

فاذا به ينفجر باكيا ويقول وهل يقبلني الله؟ وأنا من عمل المعاصي كلها فلا أعلم ان هناك ذنب لم أعصه به وأنا الأن سكران فهل يقبل توبتي ؟

فقالوا نعم وأن التوبة تجب ما قبلها

قال اذا فدلوني كيف!!

فأخذوه وانطلقوا به الى أقرب دار لهم وجعلوه يغتسل ويلبس أحسن الثياب ويتطيب.

ثم أنطلقوا الى صلاة الفجر وهو يقول والله انها أول صلاة أصليها لله منذ سنين واستوى في الصف

ثم شاء الله أن يقرأ الامام قوله تعالى : (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم )) آية 53 الزمر .

فاذا بحسان يبكي وينتحب وكلما أستمر الامام في القراءة أرتفع صوت حسان بالبكاء .

حتى سلم الامام قام اليه من في المسجد يهنئونه بالتوبة .

ثم خرج حسان وأصحابة من المسجد وسألوه اين أهلك ؟ فقال لي أب يصلي في المسجد الفلاني يجلس في المسجد حتى طلوع الشمس فقالوا اذا نلحق به .

فلما وصلوا المسجد وكانت الشمس قد أشرقت رأوا شيخا كبيرا يتهادى في مشيته كان حقا محتاجا الى قوة حسان ومعاونته له , فأشار اليه حسان وقال هذا أبي

فتوقفوا عنده ونزلوا اليه وسلموا عليه وقالوا له : يا شيخ معنا أبنك حسان

فلما سمع أسم حسان قال : آآآآه يا حسان الله يحرق وجهك بالنار يا حسان

فقالوا له أستغفر يا شيخ فانه تاب وعاد الى الله وهاهو يعود لكم الان وفي هذه الأثناء يسقط حسان على أقدام والده يقبلها ويطلب منه السماح والعفو وهو يبكي فسامحه أبوه وعلمت أمه بتوبته فأحتضنته وسامحته.

ومضت الأيام وحسان يتامل حاله قبل التوبة و بعدها فرأى أنه أذنب ذنوب كثيرة وقال لنفسه يجب أن أكفر عن سيئاتي بان أبذل كل قطرة من دمي لله سبحانه وتعالى .

ثم ذهب الى ابوه يستأذنه في الجهاد فقال له أبوه : يا حسان نحن نحمد الله ان أعادك لنا مهتديا وانت تريد ان تذهب للجهاد ؟؟ فألح عليه حسان في السماح له بالجهاد فقال له اذا وافقت أمك فأنا موافق

ثم ذهب الى أمه وطلب منها أن تأذن له بالجهاد فقالت :يا حسان نحن نحمد الله ان ردك لنا وأنت تريد أن تذهب للقتال ؟؟ فألح عليها فقالت له :أوافق لكن بشرط أن تشفع لنا عند الله يوم القيامة!!!

ثم أخذ حسان يتدرب على القتال حتى برع فيه ثم توجه الى أصحابه وطلب منهم أصطحابه معهم الى ساحات الجهاد وما هي الا أشهر حتى صار حسان يكر ويفر في ساحات القتال حتى جاء يوم حاصرهم فيه الكفار في الجبال و شددوا عليهم وأخذوا يقصفونهم بالقنابل من الطائرات حتى ان احدى القذائف تركت كل شيء وتوجهت نحو حسان .

يقول أصحابه ضربته القذيفة حتى رأيناه يسقط من أعلى الجبل الى أسفله مرورا بالصخور الكبيرة

فلما هدأ الوضع نزلنا اليه بسرعه فلما أتيناه فاذا هو ينزف من جميع جسمه وقد تكسرت عظامه وهو يبتسم فقلنا له:حسان .. فقال: أسكتوا فوالله اني لأسمع الحور العين ينادينني من وراء الجبل ثم لفظ الشهادتين وفاضت روحه......

هذا هو حسان الذي كان يقول ان النار لم تخلق الا له لقد قبل الله توبته ورزقه الشهادة


الاثنين، 21 نوفمبر 2011

الأسد في براثنه ... سعد بن أبي وقاص


أقلقت الأنباء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين.. وبمعركة الجسر التي ذهب ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد.. وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم.. فقرر أن يذهب بنفسه ليقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد الفرس.
وركب في نفر من أصحابه مستخلفا على المدينة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه..
ولكنه لم يكد يمضي عن المدينة حتى رأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه الهمة واحدا غيره من أصحابه..

وتبنّى هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، معلنا أن المخاطرة بحياة أمير المؤمنين على هذا النحو والإسلام يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد..

وأمر عمر أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي:_الصلاة جامعة_ واستدعي علي بن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة إلى حيث كان أمير المؤمنين وأصحابه.. وانتهى الرأي إلى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر المجتمعون أن يعود عمر إلى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائدا آخر من المسلمين..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي، وعاد يسأل أصحابه:
فمن ترون أن نبعث إلى العراق..؟؟
وصمتوا قليلا يفكرون..
ثم صاح عبد الرحمن بن عوف: وجدته..!!
قال عمر: فمن هو..؟
قال عبد الرحمن: "الأسد في براثنه.. سعد بن مالك الزهري.."

وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين إلى سعد بن مالك الزهري "سعد بن أبي وقاص" وولاه إمارة العراق، وقيادة الجيش..
فمن هو الأسد في براثنه..؟
من هذا الذي كان إذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه قائلا:
"هذا خالي.. فليرني امرؤ خاله"..!!

إنه سعد بن أبي وقاص.. جده أهيب بن مناف، عم السيدة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم..
لقد عانق الإسلام وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان إسلامه مبكرا، وإنه ليتحدث عن نفسه فيقول:
" .. ولقد أتى عليّ يوم، وإني لثلث الإسلام"..!!
يعني أنه كان ثالث أول ثلاثة سارعوا إلى الإسلام..

ففي الأيام الأولى التي بدأ الرسول يتحدث فيها عن الله الأحد، وعن الدين الجديد الذي يزف الرسول بشراه، وقبل أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم ملاذا له ولأصحابه الذين بدءوا يؤمنون به.. كان سعد بن أبي وقاص قد بسط يمينه إلى رسول الله مبايعا..
وإنّ كتب التاريخ والسّير لتحدثنا بأنه كان أحد الذين أسلموا بإسلام أبي بكر وعلى يديه..
ولعله يومئذ أعلن إسلامه مع الذين أعلنوه بإقناع أبي بكر إياهم، وهم عثمان ابن عفان، والزبير ابن العوّام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله.
ومع هذا لا يمنع سبقه بالإسلام سرا..
وإن لسعد بن أبي وقاص لأمجاد كثيرة يستطيع أن يباهي بها ويفخر..
بيد أنه لم يتغنّ من مزاياه تلك، إلا بشيئين عظيمين..
أولهما: أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأول من رمي أيضا..
وثانيهما: أنه الوحيد الذي افتداه الرسول بأبويه فقال له يوم أحد:
" ارم سعد فداك أبي وأمي"..

أجل كان دائما يتغنى بهاتين النعمتين الجزيلتين، ويلهج يشكر الله عليهما فيقول:
" والله إني لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله".
ويقول علي ابن أبي طالب:
" ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحدا بأبويه إلا سعدا، فإني سمعته يوم أحد يقول: ارم سعد.. فداك أبي وأمي"..
كان سعد يعدّ من أشجع فرسان العرب والمسلمين، وكان له سلاحان رمحه ودعاؤه..

إذا رمى في الحرب عدوّا أصابه.. وإذا دعا الله دعاء أجابه..!!
وكان، وأصحابه معه، يردّون ذلك إلى دعاء الرسول له.. فذات يوم وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما سرّه وقرّ عينه، دعا له هذه الدعوة المأثورة..
" اللهم سدد رميته.. وأجب دعوته".

وهكذا عرف بين إخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو ذلك نفسه وأمره، فلم يكن يدعو على أحد إلا مفوّضا إلى الله أمره.

من ذلك ما يرويه عامر بن سعد فيقول:
" رأى سعد رجلا يسب عليا، وطلحة والزبير فنهاه، فلم ينته، فقال له: إذن أدعو عليك، فقال الرجل: أراك تتهددني كأنك نبي..!!
فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سبّ أقواما سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبّه إياهم، فاجعله آية وعبرة..
فلم يمض غير وقت قصير، حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادّة لا يردّها شيء حتى دخلت في زحام الناس، كأنها تبحث عن شيء، ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها.. وما زالت تتخبطه حتى مات"..
إن هذه الظاهرة، تنبئ أوّل ما تنبئ عن شفافية روحه، وصدق يقينه، وعمق إخلاصه.

وكذلكم كان سعد، روحه حر.. ويقينه صلب.. وإخلاصه عميق.. وكان دائب الاستعانة على دعم تقواه باللقمة الحلال، فهو يرفض في إصرار عظيم كل درهم فيه إثارة من شبهة..
ولقد عاش سعد حتى صار من أغنياء المسلمين وأثريائهم، ويوم مات خلف وراءه ثروة غير قليلة.. ومع هذا فإذا كانت وفرة المال وحلاله قلما يجتمعان، فقد اجتمعا بين يدي سعد.. إذ آتاه الله الكثير، الحلال، الطيب..
وقدرته على جمع المال من الحلال الخالص، يضاهيها، قدرته في إنفاقه في سبيل الله..

في حجة الوداع، كان هناك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابه المرض، وذهب الرسول يعوده، فسأله سعد قائلا:
"يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي..؟
قال النبي: لا.
قلت: فبنصفه؟
قال النبي: لا.
قلت: فبثلثه..؟
قال النبي: نعم، والثلث كثير.. إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك"..

ولم يظل سعد أبا لبنت واحدة.. فقد رزق بعد هذا أبناء آخرين..

**

وكان سعد كثير البكاء من خشية الله.
وكان إذا استمع للرسول يعظهم، ويخطبهم، فاضت عيناه من الدمع حتى تكاد دموعه تملأ حجره..
وكان رجلا أوتي نعمة التوفيق والقبول..

ذات يوم والنبي جالس مع أصحابه، رنا بصره إلى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا.. ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم:
" يطلع علينا الآن رجل من أهل الجنة"..
وأخذ الأصحاب يتلفتون صوب كل اتجاه يستشرفون هذا السعيد الموفق المحظوظ..
وبعد حين قريب، طلع عليهم سعد بن أبي وقاص.
ولقد لاذ به فيما بعد عبد الله بن عمرو بن العاص سائلا إياه في إلحاح أن يدله على ما يتقرّب إلى الله من عمل وعبادة، جعله أهل لهذه المثوبة، وهذه البشرى.. فقال له سعد:
" لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد..
غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا".


هذا هو الأسد في براثنه، كما وصفه عبد الرحمن بن عوف..
وهذا هو الرجل الذي اختاره عمر ليوم القادسية العظيم..
كانت كل مزاياه تتألق أما بصيرة أمير المؤمنين وهو يختاره لأصعب مهمة تواجه الإسلام والمسلمين..
إنه مستجاب الدعوة.. إذا سأل الله النصر أعطاه إياه..
وإنه عفّ الطعمة.. عف اللسان.. عف الضمير..
وإنه واحد من أهل الجنة.. كما تنبأ له الرسول..
وإنه الفارس يوم بدر. والفارس يوم أحد.. والفارس في كل مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وأخرى، لا ينساها عمر ولا يغفل عن أهميتها وقيمتها وقدرها بين الخصائص التي يجب أن تتوفر لكل من يتصدى لعظائم الأمور، تلك هي صلابة الإيمان..

إن عمر لا ينسى نبأ سعد مع أمه يوم أسلم واتبع الرسول..
يومئذ أخفقت جميع محاولات رده وصده عن سبيل الله.. فلجأت أمه إلى وسيلة لم يكن أحد يشك في أنها ستهزم روح سعد وترد عزمه إلى وثنية أهله وذويه..

لقد أعلنت أمه صومها عن الطعام والشراب، حتى يعود سعد إلى دين آبائه وقومه، ومضت في تصميم مستميت تواصل إضرابها عن الطعام والسراب حتى أوشكت على الهلاك..
كل ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيع إيمانه ودينه بشيء، حتى ولو يكون هذا الشيء حياة أمه..
وحين كانت تشرف على الموت، أخذه بعض أهله إليها ليلقي عليها نظرة وداع مؤملين أن يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت..

وذهب سعد ورأى مشهد يذيب الصخر..
بيد أن إيمانه بالله ورسوله كان قد تفوّق على كل صخر، وعلى كل فولاذ، فاقترب بوجهه من وجه أمه، وصاح بها لتسمعه:
" تعلمين والله يا أمّه.. لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء..
فكلي إن شئت أو لا تأكلي"..!!
وعدلت أمه عن عزمها.. ونزل الوحي يحيي موقف سعد، ويؤيده فيقول:
( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما)..
أليس هو الأسد في براثنه حقا..؟؟

إذن فليغرس أمير المؤمنين لواء القادسية في يمينه. وليرم به الفرس المجتمعين في أكثر من مائة ألف من المقاتلين المدربين. المدججين بأخطر ما كانت تعرفه الأرض يومئذ من عتاد وسلاح.. تقودهم أذكى عقول الحرب يومئذ، وأدهى دهاتها..
أجل إلى هؤلاء في فيالقهم الرهيبة..خرج سعد في ثلاثين ألف مقاتل لا غير.. في أيديهم رماح.. ولكن في قلوبهم إرادة الدين الجديد بكل ما تمثله من إيمان وعنفوان، وشوق نادر وباهر إلى الموت وإلى الشهادة..!!
والتقى الجمعان.
ولكن لا.. لم يلتق الجمعان بعد..
وإن سعدا هناك ينتظر نصائح أمير المؤمنين عمر وتوجيهاته.. وها هو ذا كتاب عمر إليه يأمره فيه بالمبادرة إلى القادسية، فإنها باب فارس ويلقي على قلبه كلمات كلها نور وهدى:
" يا سعد بن وهيب..
لا يغرّنّك من الله، أن قيل: خال رسول الله وصاحبه، فان الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته.. والناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سوء.. الله ربهم، وهم عباده.. يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عند الله بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه، فالزمه، فانه الأمر."

ثم يقول له:
" اكتب إلي بجميع أحوالكم.. وكيف تنزلون..؟
وأين يكون عدوّكم منكم..
واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم"..!!


ويكتب سعد إلى أمير المؤمنين فيصف له كل شيء حتى إنه ليكاد يحدد له موقف كل جندي ومكانه.
وينزل سعد القادسية، ويتجمّع الفرس جيشا وشعبا، كما لم يتجمعوا من قبل، ويتولى قيادة الفرس أشهر وأخطر قوّادهم "رستم"..

ويكتب سعد إلى عمر، فيكتب إليه أمير المؤمنين:
" لا يكربنّك ما تسمع منهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل النظر والرأي والجلد، يدعونه إلى الله.. واكتب إلي في كل يوم.."
ويعود سعد فيكتب لأمير المؤمنين قائلا:
" إن رستم قد عسكر ب (ساباط) وجرّ الخيول والفيلة وزحف علينا".
ويجيبه عمر مطمئنا مشيرا..
إن سعد الفارس الذكي المقدام، خال رسول الله، والسابق إلى الإسلام، بطل المعارك والغزوات، والذي لا ينبو له سيف، ولا يزيغ منه رمح.. يقف على رأس جيشه في إحدى معارك التاريخ الكبرى، ويقف وكأنه جندي عادي.. لا غرور القوة، ولا صلف الزعامة، يحملانه على الركون المفرط لثقته بنفسه.. بل هو يلجأ إلى أمير المؤمنين في المدينة وبينهما أبعاد وأبعاد، فيرسل له كل يوم كتابا، ويتبادل معه والمعركة الكبرى على وشك النشوب، المشورة والرأي...

ذلك أن سعدا يعلم أن عمر في المدينة لا يفتي وحده، ولا يقرر وحده.. بل يستشير الذين حوله من المسلمين ومن خيار أصحاب رسول الله.. وسعد لا يريد برغم كل ظروف الحرب، أن يحرم نفسه، ولا أن يحرم جيشه، من بركة الشورى وجدواها، لا سيّما حين يكون بين أقطابها عمر الملهم العظيم..

**

وينفذ سعد وصية عمر، فيرسل إلى رستم قائد الفرس نفرا من صحابه يدعونه إلى الله وإلى الإسلام..
ويطول الحوار بينهم وبين قائد الفرس، وأخيرا ينهون الحديث معه إذ يقول قائلهم:
" إن الله اختارنا ليخرج بنا من يشاء من خلقه من الوثنية إلى التوحيد... ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام.."
فمن قبل ذلك منا، قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن قاتلنا قاتلناه حتى نفضي إلى وعد الله.."
ويسأل رستم: وما وعد الله الذي وعدكم إياه..؟؟
فيجيبه الصحابي:
" الجنة لشهدائنا، والظفر لأحيائنا".
ويعود الوفد إلى قائد المسلمين سعد، ليخبروه أنها الحرب..
وتمتلئ عينا سعد بالدموع..

لقد كان يود لو تأخرت المعركة قليلا، أو تقدمت قليلا.. فيومئذ كان مرضه قد اشتد عليه وثقلت وطأته.. وملأت الدمامل جسده حتى ما كان يستطيع أن يجلس، فضلا أن يعلو صهوة جواده ويخوض عليه معركة بالغة الضراوة والقسوة..!!
فلو أن المعركة جاءت قبل أن يمرض ويسقم، أو لو أنها استأخرت حتى يبل ويشفى، إذن لأبلى فيها بلاءه العظيم.. أما الآن.. ولكن، لا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم ألا يقول أحدهم: لو. لأن لو هذه تعني العجز، والمؤمن القوي لا يعدم الحيلة، ولا يعجز أبدا..

عندئذ هب الأسد في براثنه ووقف في جيشه خطيبا، مستهلا خطابه بالآية الكريمة:
(بسم الله الرحمن الرحيم..
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)..

وبعد فراغه من خطبته، صلى بالجيش صلاة الظهر، ثم استقبل جنوده مكبّرا أربعا: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..
ودوّى الكون وأوّب مع المكبرين، ومد ذراعه كالسهم النافذ مشيرا إلى العدو، وصاح في جنوده: هيا على بركة الله..

وصعد وهو متحاملا على نفسه وآلامه إلى شرفة الدار التي كان ينزل بها ويتخذها مركزا لقيادته..وفي الشرفة جلس متكئا على صدره فوق وسادة. باب داره مفتوح.. وأقل هجوم من الفرس على الدار يسقطه في أيديهم حيا أو ميتا.. ولكنه لا يرهب ولا يخاف..
دمامله تنبح وتنزف، ولكنه عنها في شغل، فهو من الشرفة يكبر ويصيح.. ويصدر أوامره لهؤلاء: أن تقدّموا صوب الميمنة.. ولأولئك: أن سدوا ثغرات الميسرة.. أمامك يا مغيرة.. وراءهم يا جرير.. اضرب يا نعمان.. اهجم يا أشعث.. وأنت يا قعقاع.. تقدموا يا أصحاب محمد..!!
وكان صوته المفعم بقوة العزم والأمل، يجعل من كل جندي فردا، جيشا بأسره..
وتهاوى جنود الفرس كالذباب المترنّح.. وتهاوت معهم الوثنية وعبادة النار..!!
وطارت فلولهم المهزومة بعد أن رأوا مصرع قائدهم وخيرة جنودهم، وطاردهم ، الجيش المسلم حتى نهاوند.. ثم المدائن فدخلوها ليحملوا إيوان كسرى وتاجه، غنيمة وفيئا..!!

**

وفي موقعة المدائن أبلى سعد بلاء عظيما..
وكانت موقعة المدائن، بعد موقعة القادسية بقرابة عامين، جرت خلالهما مناوشات مستمرة بين الفرس والمسلمين، حتى تجمعت كل فلول الجيش الفارسي وبقاياه في المدائن نفسها، متأهبة لموقف أخير وفاصل..
وأدرك سعد أن الوقت سيكون بجانب أعدائه. فقرر أن يسلبهم هذه المزية.. ولكن أنّى له ذلك وبينه وبين المدائن نهر دجلة في موسم فيضانه وجيشانه..
هنا موقف يثبت فيه سعد حقا كما وصفه عبد الرحمن بن عوف الأسد في براثنه..!!

إن إيمان سعد وتصميمه ليتألقان في وجه الخطر، ويتسوّران المستحيل في استبسال عظيم..!!
وهكذا أصدر سعد أمره إلى جيشه بعبور نهر دجلة.. وأمر بالبحث عن مخاضة في النهر تمكّن من عبور هذا النهر.. وأخيرا عثروا على مكان لا يخلو عبوره من المخاطر البالغة..

وقبل أن يبدأ الجيش عملية المرور فطن القائد سعد إلى وجوب تأمين مكان الوصول على الضفة الأخرى التي يرابط العدو حولها.. وعندئذ جهز كتيبتين..
الأولى: واسمها كتيبة الأهوال وأمّر سعد عليها عاصم ابن عمرو والثانية: اسمها الكتيبة الخرساء وأمّر عليها القعقاع ابن عمرو..

وكان على جنود هاتين الكتيبتين أن يخوضوا الأهوال لكي يفسحوا على الضفة الأخرى مكانا آمنا للجيش العابر على أثرهم.. ولقد أدوا العمل بمهارة مذهلة..
ونجحت خطة سعد يومئذ نجاحا يذهل له المؤرخون..
نجاحا أذهل سعد بن أبي وقاص نفسه..
وأذهل صاحبه ورفيقه في المعركة سلمان الفارسي الذي أخذ يضرب كفا بكف دهشة وغبطة، ويقول:
" إن الإسلام جديد..
ذلّلت والله لهم البحار، كما ذلّل لهم البرّ..
والذي نفس سلمان بيده ليخرجنّ منه أفواجا، كما دخلوه أفواجا"..!!

ولقد كان .. وكما اقتحموا نهر دجلة أفواجا، خرجوا منه أفواجا لم يخسروا جنديا واحدا، بل لم تضع منهم شكيمة فرس..

ولقد سقط من أحد المقاتلين قدحه، فعز عليه أن يكون الوحيد بين رفاقه الذي يضيع منه شيء، فنادى في أصحابه ليعاونوه على انتشاله، ودفعته موجة عالية إلى حيث استطاع بعض العابرين التقاطه..!!

وتصف لنا إحدى الروايات التاريخية، روعة المشهد وهم يعبرون دجلة، فتقول:
[أمر سعد المسلمين أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.. ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس وراءه، لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين، ولم يعد وجه الماء يرى من أفواج الفرسان والمشاة، وجعل الناس يتحدثون وهم يسيرون على وجه الماء كأنهم يتحدون على وجه الأرض؛ وذلك بسبب ما شعروا به من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ونصره ووعيده وتأييده]..!!

ويوم ولى عمر سعدا إمارة العراق، راح يبني للناس ويعمّر.. كوّف الكوفة، وأرسى قواعد الإسلام في البلاد العريضة الواسعة..
وذات يوم شكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين.. لقد غلبهم طبعهم المتمرّد، فزعموا زعمهم الضاحك، قالوا:" إن سعدا لا يحسن يصلي"..!!
ويضحك سعد من ملء فاه، ويقول:
"والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله.. أطيل في الركعتين الأوليين، وأقصر في الأخريين"..
ويستدعيه عمر إلى المدينة، فلا يغضب، بل يلبي نداءه من فوره..
وبعد حين يعتزم عمر إرجاعه إلى الكوفة، فيجيب سعد ضاحكا:
" أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة"..؟؟
ويؤثر البقاء في المدينة..

وحين اعتدي على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه، اختار من بين أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ستة رجال، ليكون إليهم أمر الخليفة الجديد قائلا إنه اختار ستة مات رسول الله وهو عنهم راض.. وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص.
بل يبدو من كلمات عمر الأخيرة، أنه لو كان مختارا لخلافة واحدا من الصحابة لاختار سعدا..
فقد قال لأصحابه وهو يودعهم ويوصيهم:
" إن وليها سعد فذاك..
وان وليه غيره فليستعن بسعد".


**

ويمتد العمر بسعد.. وتجيء الفتنة الكبرى، فيعتزلها بل ويأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئا من أخبارها..
وذات يوم تشرئب الأعناق نحوه، ويذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ويقول له:
يا عم، ها هنا مائة ألف سيف يروك أحق الناس بهذا الأمر.
فيجيبه سعد:
" أريد من مائة ألف سيف، سيفا واحدا.. إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع"..!!
ويدرك ابن أخيه غرضه، ويتركه في عزلته وسلامه..
وحين انتهى الأمر لمعاوية، واستقرت بيده مقاليد الحكم سأل سعدا:
مالك لم تقاتل معنا..؟؟
فأجابه:
" إني مررت بريح مظلمة، فقلت: أخ .. أخ..
وأنخت راحلتي حتى انجلت عني.."

فقل معاوية: ليس في كتاب الله أخ.. أخ.. ولكن قال الله تعالى:
(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما، فان بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية.
أجابه سعد قائلا:
" ما كنت لأقاتل رجلا قال له رسول الله: أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".

**

وذات يوم من أيام الرابع والخمسين للهجرة، وقد جاوز سعد الثمانين، كان هناك في داره بالعقيق يتهيأ لقاء الله.
ويروي لنا ولده لحظاته الأخيرة فيقول:
[ كان رأس أبي في حجري، وهو يقضي، فبكيت وقال: ما يبكيك يا بنيّ..؟؟
إن الله لا يعذبني أبدا وأني من أهل الجنة..!!
إن صلابة إيمانه لا يوهنها حتى رهبة الموت وزلزاله.
ولقد بشره الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو مؤمن بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام أوثق إيمان.. وإذن ففيم الخوف..؟
[ إن الله لا يعذبني أبدا، وإني من أهل الجنة].

بيد أنه يريد أن يلقى الله وهو يحمل أروع وأجمل تذكار جمعه بدينه ووصله برسوله.. ومن ثمّ فقد أشار إلى خزانته ففتحوها، ثم أخرجوا منها رداء قديما قد بلي وأخلق، ثم أمر أهله أن يكفنوه فيه قائلا:
[ لقد لقيت المشركين فيه يوم بدر، ولقد ادخرته لهذا اليوم]..!!

أجل، إن ذلك الثوب لم يعد مجرّد ثوب.. إنه العلم الذي يخفق فوق حياة مديدة شامخة عاشها صاحبها مؤمنا، صادقا شجاعا!!
وفوق أعناق الرجال حمل إلى المدينة جثمان آخر المهاجرين وفاة، ليأخذ مكانه في سلام إلى جوار ثلة طاهرة عظيمة من رفاقه الذين سبقوه إلى الله، ووجدت أجسامهم الكادحة مرفأ لها في تراب البقيع وثراه.

**

وداعا يا سعد..!!
وداعا يا بطل القادسية، وفاتح المدائن، ومطفئ النار المعبودة في فارس إلى الأبد..!!