Social Icons

السبت، 8 يناير، 2011

ومازلت أشلاء الخوارج تنبض

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

وبعد

فمازلت أشلاء الخوارج فى بلاد المسلمين تعوى عويَّ الكلاب

تنافح عن منهجها الخارجي وتدافع عن بقايا بدعهم المنتشرة بينهم كالجراثيم على القمامة

ولعل منهم من نقل جرثومة من فكره الى رجل صحيح فيبتلى بمثل ما هم عليه

ولا حول ولا قوة الا بالله


وعليه فعلينا ان نوضح هذه البدع وان نتكلم على اهل البدع الذين اجمع اهل العلم على بدعتهم وعلى خراب منهجهم وفساد أفكارهم

هذا فيما يخص تلاميذ المشايخ الذين أعادوا هذا الفكر فى الأمة ولا حول ولا قوة الا بالله


واما عن مشايخهم فمنهم من لم يصبر حتى يحذر أهل العلم منه , ولكن حذر هو من أهل العلم بل حذر ووقع فى أئمة اهل السنة فى هذا الزمان كالشيخ الامام ناصر الدين رحمه الله

كفوزي بن السعيد و السيد بن العربي و شيخهم محمد بن عبد المقصود غيرهم

ومنهم من مازل مختبئ يدرس فى منزله منقاداً بقول الله " وقرن فى بيوتكن " يهيج الناس على الحكومات ويسفه من أهل العلم بل ويزعم ان العلم ليس هو ما اعتنى به اهل العلم ولكن هو شئ آخر كالولاء والبراء فحسب او التحاكم لشرع الله فحسب أو او

مع أنهم هم هم الذين يحتجون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " كلمة حق عند سلطان جائر " الحديث .
فجعلوا " عند " على المنبر ثم جعلوها فى البيوتات، بعد ان كانوا يقولون الكلام على المنبر يصل الى الرئيس !! فهاهم يتكلمون سراً كالنساء , والسؤال هل يصل السر الى الرئيس ؟

ام انهم يظنون انه يعلم الغيب ؟!!


ولا حول ولا قوة الا بالله


ولمثل هذا الامر منع الفاروق عمر بن الخطاب اجتماع الناس فى البيوت حتى لا نتشر بينهم البدع من حزبية بغيضة ومن مخالفة لإعتقاد أهل السنة ومن ..ومن ..


وعلى كل حال نقول لهم كلمه أو لهن هذه فصيحة وتلك فصيحة فلا تعجب

نقول بحول الله وقوته

ان كنتم زاعمين انكم اشد الناس عملا بالولاء والبراء نقول لكم لا فنحن أولى بالحق منكم ولن نواليكم على الباطل ولكن نتبرء منكم ومن بدعكم وان كنا قديما نعيش معاً وان كان فيكم من علمنا وله فضل علينا , إلا ان فضل الله أعظم .

والله الموفق والمستعان
__________________
-------------------------------------
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
----------------------------------------------

         وَلاَ تَضْحَكْ مَعَ السُّفَهَاءِ يَوْماً ... فَإِنْكَ سَوْفَ تَبْكِي إِنْ ضَحِكْتَا
      وَمَنْ لَكَ بِالسُّرُورِ وَأَنْتَ رَهْنٌ ... وَمَا تَدْرِي أَتُفْدَى أَمْ غُلِلْتَا ؟
           وَسَلْ مِنْ رَبِّكَ التَّوْفِيقَ فِيهَا ... وَأَخْلِصْ فِي السُّؤَالِ إِذَا سَأَلْتَا
         وَنَادِ إِذَا سَجَدْتَ لَهُ اعْتِرَافاً ... بِمَا نَادَاهُ ذُو النُّونِ ابْنُ مَتَّى
           وَلاَزِمْ بَابَهُ قَرْعاً عَسَـاهُ ... سَيَفْتَحُ بَابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَـا
          وَلاَ تَقُلِ الصِّبَا فِيهِ امْتِهَالٌ ... وَفَكِّرْ كَمْ صَغِيرٍ قَدْ دَفَنْتَـا
    وَقُلْ : يَا نَاصِحِي بَلْ أَنْتَ أَوْلَى ... بِنُصْحِكَ لَوْ لِفِعْلِكَ قَدْ نَظَرْتَا
                              تُقَطِّعُنِي عَلَى التَّفْرِيطِ لَوْماً ... وَبِالتَّفْرِيطِ دَهْرَكَ قَدْ قَطَعْتَا
       وَنَفْسَكَ ذُمَّ لاَ تَذْمُمْ سِوَاهَا ... لِعَيْبٍ فَهْيَ أَجْدَرُ مَنْ ذَمَمْتَا
                                  وَأَنْتَ أَحَقُّ بِالتَّفْنِيدِ مِنِّي ... وَلَوْ كُنْتَ اللَّبِيبَ لَمَا نَطَقْتَا
=================


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فلقد كثر النزاع بين شباب الأمة في أيامنا هذه - مع الأسف الشديد- في مسائل الإيمان والإرجاء عموما وفي مسألة تارك جنس العمل خصوصا، ممّا أدى إلى تفرق عريض وواقع أليم، وظلمٍ لبعض أهل السنة الكبار المشهود لهم بالعلم والإمامة من علماء الأمة الأبرار.

فأحببت أن أسهم بهذا البحث المتواضع في رأب هذا الصدع الواسع الأطراف، وأن يكون لي نصيب من الدفاع عن علماء الأمة الأخيار رجاء أن أنخرط في سلك ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ) .

فأقول وبالله أستعين :

لقد أكثر بعض الناس من حكاية الإجماع على كفر تارك أعمال الجوارح بالكلية وأجلبوا بخيلهم ورجلهم في ذلك، وحاربوا أهل السنة الذين خالفوهم في هذه المسألة أشدّ الحرب وأدخلوهم في محنة لا أوّل لها ولا آخر !

ورموهم -من أجل ذلك- بالبدعة والإرجاء، بل وبالإرجاء الغالي، ومخالفة الإجماع نسأل الله السلامة !

فشمّرت عن ساعد الجدّ في أن أجمع ما استطعت من نصوص أئمة السنة السابقين واللاحقين في إثبات أن تارك عمل الجوارح بالكلية مسألة خلافية؛ الخلاف فيها جارٍ بين أهل السنة والجماعة أنفسهم، وليس للمرجئة الضلال نصيب في هذا الخلاف كما سيأتي .

فمن قال من أهل السنة : (إن الإيمان المنجي من الخلود في النار يحصل بالنطق بالشهادتين باللسان مع اعتقاد القلب وعمله، وإن ترك أعمال الجوارح بالكلية) لم يخرج عن أقوال أهل السنة ولم يأت ببدع من القول بل قوله موافق لطوائف من أهل السنة المتقدمين والمتأخرين، وعليه فلا يجوز أن يرمى بالإرجاء ويشنع عليه وتٌقام الدنيا ولا تُقعد من أجله، فإن هذا سبيل أهل البدع الذين لا يرقبون في أهل السنة إلاًّ ولا ذمّة .

وها أنا الآن أسوق لأخواني في الله نصوص أئمة السنة السابقين واللاحقين التي تنقض هذا الإجماع المزعوم !!

فإليكم أقوالهم مرتبة على حسب وفيات أصحابها :

- الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (224)

قال رحمه الله في كتابه (الإيمان – ت : الألباني) (ص94) : " ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بالردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت الآثار مفسرة " .

أقول : تأمل قوله رحمه الله : " إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها " تجد أن هذا الإمام الكبير لم ينصّ على كفر تارك عمل الجوارح، بل حصر التكفير بكلمة الكفر خاصة دون غيرها .

- إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل (241)

-قال صالح بن أحمد رحمهما الله تعالى كما في (السنة) للخلال (3/588) :

" سألت أبي ما زيادته ونقصانه ؟ قال: زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل تركه الصلاة(حاشية : للإمام أحمد روايات في تكفير تارك الصلاة والزكاة وفي عدم التكفير، ورأيه هنا يوافق قوله بعدم تكفير تارك هذه الأركان . ) انتهت الحاشية .

والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا ينقص ويزيد بالعمل " . إسناده صحيح

-وقال رحمه الله أيضا كما في (3/581) : " الإيمان بعضه أفضل من بعض يزيد وينقص وزيادته في العمل ونقصانه في ترك العمل " . إسناده صحيح

- وقال رحمه الله في رسالته المشهورة لمسدد بن مسرهد(حاشية : قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع ( 5/396) : " وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبى يعلى وكتبها بخطه " . ) انتهت الحاشية . :

" والإيمان قول وعمل يزيد وينقص زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحدا بها فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه " . انظر طبقات الحنابلة (1/343)

أقول : فكلام الإمام أحمد رحمه الله في هذه النصوص واضح في أن المسلم لا يكفر بترك عمل الجوارح وإنما ينقص إيمانه, فهل يحقّ لنا أن نقول عنه : إنه مرجئ أو قد وافق المرجئة ؟! لا يقول هذا عنه إلا رجل غارق في الجهل بعقيدة السلف أو حاقد على السنة وأهلها !

- حكاية الإمام محمد بن نصر المروزي عن طائفة من أهل الحديث تفرق بين الإسلام والإيمان قال الإمام المروزي رحمه الله في كتابه تعظيم قدر الصلاة (2/506- وفي طبعة دار العقيدة (297)) :

" اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فقالت طائفة منهم :

إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه من الإسلام، ولا يزيل عنه اسمه، وفرقوا بين الإيمان والإسلام، وقالوا: إذا زنى فليس بمؤمن وهو مسلم، واحتجوا لتفريقهم بين الإيمان والإسلام بقول الله تبارك وتعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) فقالوا:

الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل بالتوحيد والإسلام عام يثبت الاسم به بالتوحيد والخروج من ملل الكفر" .

ثم ساق لهم الأدلة على هذا المذهب وأقوال العلماء الذين سبقوهم إلى هذا المذهب .

تأمل قول هذه الطائفة : " الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل بالتوحيد " أي أنه لا يسمى مؤمنا إلا بالعمل بمقتضى التوحيد .

وتأمل قولهم : " والإسلام عام يثبت الاسم به بالتوحيد والخروج من ملل الكفر" .

- ثم قال رحمه الله في (2/513) : " قال : ثم أوجب الله النار على الكبائر، فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل عن من أتى كبيرة، قالوا: ولم نجد الله أوجب الجنة باسم الإسلام فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه .

فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس الإيمان ضد الكفر .

قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان لأن للإيمان أصلا وفرعا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر " .

تأمل قولهم الأخير : " الكفر ضد لأصل الإيمان لأن للإيمان أصلا وفرعا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر " .

يريدون أن الإيمان لا يزول بالمعاصي أو ترك العمل، وإنما يزول بالكفر المضاد لأصل الإيمان الذي في القلوب وتنطق به الألسنة .

- ثم قال الإمام بن نصر رحمه الله في (2/513) : " فإن قيل لهم: فالذي زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنه اسم الإيمان، هل فيه من الإيمان شيء ؟!

قالوا: نعم؛ أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر " .

فتراهم ينفون عنه الكفر بوجود أصل الإيمان عنده وإن أزالوا عنه اسم (الإيمان)، لكنهم مع ذلك يثبتون له الإسلام وأصل الإيمان .

- ثم قال رحمه الله في (2/515) : " قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام من الموحدين، لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها، فلما وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الله يقول: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان " .

فقد فهمت هذه الطائفة من أهل الحديث من هذا الحديث : أن الذين أُخرجوا من النار ممن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان إنما خرجوا منها بالإيمان الذي في قلوبهم، ولم يذكر الحديث ولا هم أعمال الجوارح .

فإن قيل : أنتم بهذا تهونون من أعمال الجوارح ! قلنا : اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموا أهل السنة هؤلاء وارموا الجميع بالإرجاء .

واعلموا أن هناك زواجر تردع الناس عن ارتكاب المحرمات والتهاون في أداء الواجبات إذا لم يستفد منها العصاة فلن يستفيدوا من غيرها مهما بلغت من الشدة والتشدد .

- حكاية الإمام محمد بن نصر المروزي عن طائفة ثانية من أهل الحديث تفرق بين الإسلام والإيمان قال الإمام ابن نصر رحمه الله تعالى في كتابه تعظيم قدر الصلاة (2/519-520- وفي طبعة دار العقيدة (ص305) وهو يحكي مذهب طائفة من أهل الحديث ممن يفرقون بين الإيمان والإسلام :

" ولكنا نقول للإيمان أصل وفرع وضد الإيمان الكفر في كل معنى .

فأصل الإيمان الإقرار والتصديق, وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله .

وضد الإيمان الذي هو عمل وليس هو إقرار كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة ولكن كفر يضيع العمل كما كان العمل إيمانا, وليس هو الإيمان الذي هو إقرار كان من ترك الإيمان الذي هو إقرار بالله كافرا يستتاب، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا فقد زال عنه بعض الإيمان ولا يجب أن يستتاب عندنا ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال إن الإيمان تصديق وعمل إلا الخوارج وحدها .

فكذلك لا يجب بقولنا كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ولا يزول عنه الحدود وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابته ولا إزالة الحدود عنه إذ لم يزل أصل الإيمان عنه, فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال .

قالوا: ولما كان العلم بالله إيمانا والجهل به كفرا, وكان العمل بالفرائض إيمانا والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر وبعد نزولها من لم يعملها ليس بكفر، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقروا بالله في أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم ولم يعملوا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك فلم يكن جهلهم ذلك كفرا ثم أنزل الله عليهم هذه الفرائض فكان إقرارهم بها والقيام بها, إيمانا وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله, ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا, وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرا والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر .

قالوا: فمن ثم قلنا إن ترك التصديق بالله كفر به, وأن ترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفر ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق كما يقول القائل كفرتني حقي ونعمتي يريد ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي .

قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ".

لقد تضمن كلام هذه الطائفة التي حكى عنها الإمام ابن نصر مذهبها في الإيمان ما يلي :

1- هذه الطائفة من أهل الحديث ترى أن تارك العمل يطلق عليه الكفر، ولكنه كفر دون كفر .

2- لا يكفر -عندهم- تارك الأعمال إلا إذا كان جاحدا .

3- وتارك العمل عندهم مسلم تقام عليه الحدود، وتارك أصل الإيمان عندهم كافر؛ يستتاب وإلا قتل .

4- ترك التصديق بالله - عندهم - كفر، وترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفر ليس بكفر بالله ، وإنما هو كفر من جهة ترك الحق ، أي أنه كفر دون كفر لا ينقل عن الملة .

5- قول هذه الطائفة : " ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام ".

فمذهب هذه الطائفة من أهل الحديث, ونَقْلِها عن الصحابة والتابعين تفريقهم بين أصل الإيمان فرعه, وأنه يكفر بترك الأصل ولا يكفر بترك الفرع الكفر المخرج من ملة الإسلام يرد دعوى الإجماع على أن تارك جنس الأعمال كافر .

ومع أن الإمام ابن نصر رحمه الله يكفر بترك الصلاة، لم يبدعهم ولم يكذب نقلهم عمّن ذكروه من الصحابة والتابعين !!

- الإمام محمد بن نصر المروزي (294)

قال رحمه الله أيضا في تعظيم قدر الصلاة (2/712-713- وفي طبعة دار العقيدة (ص 428)) وهو يرد على المرجئة :

" ثم حَدَّ الإيمان في قلوب أهل النار من المؤمنين؛ فأخبر عن الله عز وجل أنه يقول: (أخرجوا من في قلبه مثقال دينار من إيمان، مثقال نصف دينار، مثقال شعيرة، مثقال ذرة، مثقال خردلة ) فمن زعم أن ما كان في قلوبهم من الإيمان مستويا في الوزن فقد عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم بالرد، ومن قال: الذي في قلبه مثقال ذرة ليس بمؤمن ولا مسلم فقد رد على الله وعلى رسوله إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة) فقد حرم الله الجنة على الكافرين وقد جزأ النبي صلى الله عليه وسلم ما في قلوبهم من الإيمان بالقلة والكثرة ثم أخبر أن أقلهم إيمانا قد أدخل الجنة فثبت له بذلك اسم الإيمان، فإذا كان أقلهم إيمانا يستحق الاسم والآخرون أكثر منه إيمانا دل ذلك أن له أصلا وفرعا يستحق اسمه من يأتي بأصله، ويتأولون في الزيادة بعد أصله فتركوا أن يضربوا النخلة مثلا للإيمان مثلا كما ضربه الله عز وجل ويجعل الإيمان له شعبا كما جعله الرسول صلى الله عليه وسلم فيشهدوا بالأصل وبالفروع ويشهدوا بالزيادة إذا أتى بالأعمال كما أن النخلة فروعها وشعبها أكمل لها وهي مزدادة بعد ما ثبت الأصل شعبا وفرعا، فقد كان يحق عليهم أن ينزلوا المؤمن بهذه المنزلة؛ فيشهدوا له بالإيمان إذ أتى بالإقرار بالقلب واللسان، ويشهدوا له بالزيادة كلما ازداد عملا من الأعمال التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم شعبا للإيمان وكان كلما ضيع منها شعبة علموا أنه من الكمال أنقص من غيره ممن قام بها فلا يزيلوا عنه اسم الإيمان حتى يزول الأصل " .

تأمل ما في كلام هذا الإمام رحمه الله :

1- تأمل قوله : " ثم حد الإيمان في قلوب أهل النار من المؤمنين " وتأمل بقية هذا المقطع؛ حيث يدور كلامه فيه على أن الإيمان المخرج من النار إنما هو الإيمان الذي في القلوب؛ إذ عمل جوارحه مفقود فلا مجال له هنا .

2- وتأمل قوله في هذا المقطع : " وقد جزأ النبي صلى الله عليه وسلم ما في قلوبهم من الإيمان بالقلة والكثرة ثم أخبر أن أقلهم إيمانا قد أدخل الجنة فثبت له بذلك اسم الإيمان " أي بما في قلبه من الإيمان .

3- وتأمل قوله : " دل ذلك أن له أصلا وفرعا يستحق اسمه من يأتي بأصله " أي أصل الإيمان الذي في القلب .

4- وتأمل قوله : " فقد كان يحق عليهم أن ينزلوا المؤمن بهذه المنزلة؛ فيشهدوا له بالإيمان إذ أتى بالإقرار بالقلب واللسان، ويشهدوا له بالزيادة كلما ازداد عملا من الأعمال التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم شعبا للإيمان ... فلا يزيلوا عنه اسم الإيمان حتى يزول الأصل " فواضح كلامه أن المؤمن من أهل النار إنما يخرج من النار بما في قلبه ولسانه من الإيمان دون أعمال الجوارح، وأنه يجب أن يُسمّى مؤمنا بما في قلبه ولسانه من الإيمان، وأن العمل كمال وكلما ازداد عملا ازداد كمالا، وأنه لا يزول عنه اسم الإيمان إلا إذا زال أصله.

وهناك من أهل السنة من يوافق في هذا القول، فهل يوصفون بالإرجاء ؟!

وبهذا يتضح بطلان دعوى الإجماع على تكفير تارك جنس العمل أو تارك العمل بالكلية .

- وقال رحمه الله أيضا في (2/535- وفي طبعة دار العقيدة (ص 315)) خلال تقريره لمذهب الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث -الذي اختاره هو- يعني الذين لا يفرقون بين الإسلام والإيمان ويقولون معناهما واحد .

قال وهو يسرد حججهم ضد مخالفيهم في هذه القضية :

" قالوا : ومما يدلك على تحقيق قولنا أن من فرق بين الإيمان والإسلام(حاشية : يشير إلى الطائفتين السابقتين من أهل السنة والحديث .) انتهت الحاشية .

قد جامعنا أن من أتى الكبائر التي استوجب النار بركوبها، لن يزول عنه اسم الإسلام وشر من الكبائر وأعظمهم ركوباً لها من أدخله الله النار، فهم يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويثبتونه أن الله يقول : " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، ومثقال برة، ومثقال شعيرة " فقد أخبر الله تبارك وتعالى أن في قلوبهم إيماناً ، أخرجوا به( في الأصل بها والصواب ما أثبتناه .) من النار، وهم أشر أهل التوحيد الذين لا يزول في قولنا، وفي قول من خالفنا عنهم اسم الإسلام، ولا جائز أن يكون من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار(حاشية : الأصل من الإيمان والسياق يقتضي ما أثبتناه . )، ودخول الجنة، ليس بمؤمن بالله إذ لا جائز أن يفعل الإيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن، كما لا جائز أن يفعل الكفر بقلبه من ليس بكافر ".

أ – تأمل قوله : " فقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن في قلوبهم إيماناً يخرجون به من النار " حيث جعل السبب الذي أخرجوا به من النار هو ما في قلوبهم من الإيمان فقط .

ب – وتأمل قوله : " أشر أهل التوحيد الذي لا يزول في قولنا وفي قول من خالفنا عنهم اسم الإسلام " .

فقد حكى هنا اتفاق الطائفتين من أهل السنة على إثبات الإيمان والإسلام لمن أخرجوا من النار لما في قلوبهم من الإيمان .

ج – وتأمل قوله : " ولا جائز أن يكون من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار ودخول الجنة ليس بمؤمن بالله إذ لا جائز أن يفعل الإيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن " .

حيث جعل هؤلاء أن من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار ودخول الجنة ويستوجب به اسم الإيمان .

فهذا الكلام يؤمن به جمهور أهل السنة ومن يخالفهم من أهل السنة في الفرق بين الإيمان والإسلام أو الاتحاد بينهما، ألا يدل هذا الكلام الذي ينقله ابن نصر عن طائفتين كبيرتين من أهل السنة أو معظم أهل السنة من أن العصاة الذين أدخلوا النار بذنوبهم إنما يخرجون من النار بما في قلوبهم من الإيمان دون عمل الجوارح ؟!

وألا يدل هذا على بطلان دعوى الإجماع على كفر تارك جنس العمل أو تارك كل العمل ؟!

وعلى أنه لا يجوز أن يرمى بالإرجاء من لا يكفر تارك جنس العمل ؟!

وأن من يرمي من لا يكفر تارك جنس العمل بالإرجاء فإنما يرمي جمهور أهل السنة بالإرجاء ؟!

وكفى بذلك حرباً على أهل السنة وعداوة لها .

خلاصة نافعة لما تضمنه كتاب ( تعظيم قدر الصلاة للإمام المروزي ) :

ومما ينبغي التنبيه عليه أنّ الإمام المروزي قد عرض في كتابه هذا كلام المرجئة وانتقدهم في تفريطهم في العمل بإخراجهم إياه من الإيمان، وانتقد الخوارج في غلوهم في التكفير بالذنوب، وعرض حجج من لا يكفر تارك الصلاة باحترام، وعرض كلام من يكفر تارك الصلاة باحترام .

وعرض حجج ثلاث طوائف من أهل السنة والحديث؛ من يفرق منهم بين الإيمان والإسلام ومن لا يفرق بينهما بكل احترام، ولم يعترض عليهما في ما قررتاه من إخراج الموحدين من النار بما في قلوبهم من التوحيد، بل أقرّه وأكّده بقوله وفقهه .

ومن خلال الأخذ والرد بينهما والرد على المرجئة تعرض لأقوالهم وأدلتهم فيما يخرج به الموحدون من النار، واتفاق هاتين الطائفتين على أنهم يخرجون من النار بما في قلوبهم من التوحيد ..

ولو كان قولهم هذا له أدنى علاقة بالإرجاء لأدانهم به، ولأدانهم علماء السنة من بعدهم ومنهم من ذكرناه في هذا البحث : ابن تيمية، وابن عبد البر، وابن رجب، وابن عبد الوهاب وتلاميذه، بل ما نراهم إلا آخذين بقولهم سائرين على منهاجهم .

ويؤسفني أن أقول : إنه لا يرمي هؤلاء الأئمة ومن على منهجهم بالإرجاء إلا خارجي حاقد قد كشف قناعه عن وجهه الكالح !!

- الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى (311)

- قال رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد (2/696) في باب من أبواب الإيمان :

" باب ذكر البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للشاهد لله بالتوحيد الموحد لله بلسانه إذا كان مخلصا ومصدقا بذلك بقلبه لا لمن تكون شهادته بذلك منفردة عن تصديق القلب " وساق دليله .

أقول : الإمام ابن خزيمة رحمه الله يرى أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل من صدّق بقلبه ونطق بلسانه ولم يعمل بجوارحه .

- وقال رحمه الله أيضا في (2/693) :

" باب ذكر خبر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج شاهد أن لا إله إلا الله من النار أفرق أن يسمع به بعض الجهال فيتوهم أن قائله بلسانه من غير تصديق قلب يخرج من النار، جهلا وقلة معرفة بدين الله وأحكامه، ولجهلة بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم مختصرها ومتقصّاها، وإِنّا لِتَوَهُّم بعض الجهال أنَّ شاهد لا إله إلا الله، من غير أن يشهد أن لله رسلا وكتبا وجنة ونارا وبعثا وحسابا يدخل الجنة: أشدُّ فرقا؛ إذ أكثر أهل زماننا لا يفهمون هذه الصناعة ولا يميزون بين الخبر المتقصِّي وغيره، وربما خفي عليهم الخبر المتقصي، فيحتجون بالخبر المختصر، يترأسون قبل التعلم، قد حرموا الصبر على طلب العلم، ولا يصبروا حتى يستحقوا الرئاسة فيبلغوا منازل العلماء " .

الإمام ابن خزيمة رحمه الله في هذا النصّ يؤكد أن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مصدّقا ذلك بقلبه أنه يخرج من النار بهذا التوحيد، ويفرق ابن خزيمة بين الموحد بقلبه ولسانه وبين المنافق الذي يقول الشهادة بلسانه ولا يؤمن بها قلبه .

- وقال رحمه الله في (2/699) : " باب ذكر خبر دال على صحة ما تأولت إنما يخرج من النار شاهد أن لا إله إلا الله إذا كان مصدقا بقلبه بما شهد به لسانه إلا أنه كنى عن التصديق بالقلب بالخير فعاند بعض أهل الجهل والعناد، وادعى أن ذكر الخير في هذا الخبر ليس بإيمان قلة علم بدين الله وجرأة على الله في تسمية المنافقين مؤمنين " .

ابن خزيمة هنا يؤكد ما أسلفه في النصّين السابقين أنه يخرج من النار من شهد أن لا إله إلا الله يصدّق قلبه ما شهد به لسانه، وفسّر رحمه الله الخير المذكور في الحديث بالإيمان بالقلب .

- وقال رحمه الله في (2/702-703) : " باب ذكر الأخبار المصرحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: إنما يخرج من النار من كان في قلبه في الدنيا إيمان دون من لم يكن في قلبه في الدنيا إيمان ممن كان يقر بلسانه بالتوحيد خاليا قلبه من الإيمان مع البيان الواضح أن الناس يتفاضلون في إيمان القلب، ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أن الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان؛ فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار، مع البيان أن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات يوم القيامة على ما قد بينت قبل لا أن له شفاعة واحدة فقط " .

أقول : كلام الإمام ابن خزيمة رحمه الله في نصوصه الأربعة يدل على أنه يرى عدم كفر تارك الأعمال بالكلية وأنه ناجٍ من الخلود في النار إذا أتى بتصديق القلب والنطق باللسان؛ لأن هذا هو أصل الإيمان المنجي من الخلود في النار، وعمل الجوارح عنده وعند أهل السنة من الإيمان؛ واجبه ومستحبه .

- الإمام أبو محمد الحسن بن علي البر بهاري رحمه الله تعالى (329)

قال رحمه الله في كتابه (شرح السنة) (ص73- ت : خالد الردادي) : " ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، فإذا لم يفعل شيئا من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة " .

كلام الإمام البربهاري رحمه الله يؤكّد ما ورد في كلام الإمامين أبي عبيد وأحمد, من أنه لا يكفر أحد من أهل الإسلام إلا باقتحام الكفر بالله, كجحد آية من كتاب الله عز وجل أو جحد شيءٍ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الذبح لغير الله ... إلى آخر نواقض الإسلام التي يكفر من وقع فيها .

وأنت ترى أن هؤلاء الأئمة الثلاثة, ومن سيأتي ذكرهم ممن يشبه كلامهم كلام هؤلاء الأئمة كا الإمامين ابن بطة و ابن عبد الوهاب رحم الله الجميع لم ينصّ واحد منهم على كفر تارك جنس العمل, مع أن الموطن موطن بيان فتأمل ولا تتعجل !!

- الإمام ابن بطة العكبري (387)

قال رحمه الله تعالى في كتابه الإبانة الصغرى (ص183) : "ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض الله جاحدا بها، فإن تركها تهاونا أو كسلا كان في مشيئة الله " .

تأمل قوله عن المسلم : " ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض الله جاحدا بها " .وكأن الإمام ابن بطة رحمه الله أخذ هذا الكلام من رسالة الإمام أحمد إلى مسدد رحم الله الجميع .

- العلامة أبو محمد بن حزم( حاشية : وقد امتدحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مسائل الإيمان والإرجاء؛ قال رحمه الله في المجموع (4/18-19) : " وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل ‏‏القدر و‏الإرجاء‏‏ ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة‏.‏ وكذلك ما ذكره في ‏[‏باب الصفات‏]‏ فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك‏.‏ لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات، وإن كان ‏‏أبو محمد بن حزم‏‏ في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره . ) انتهت الحاشية .

) رحمه الله تعالى (456)

-قال رحمه الله في كتابه المحلى (1/40-41) : " ومن ضيع الأعمال كلها فهو مؤمن عاص ناقص الإيمان لا يكفر " .

- وقال رحمه الله في كتاب (الدرة) (ص337-338) وهو يناقش المرجئة : " وإنّما لم يكفُرْ مَن تركَ العمَلَ، وكفر من ترك القول، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم بالكفر على من أبى من القول، وإن كان عالما بصحة الإيمان بقلبه، وحكم بالخروج من الناّر لمن علم بقلبه وقال بلسانه؛ وإِنْ لمَ يعملْ خيرا قط " .

كلام ابن حزم رحمه الله صريح جداً، وهو يؤيد كلام الأئمة قبله .

- وقال رحمه أيضا في (1/441) : " الإيمان والإسلام اسمان لمعنيين؛ فالإسلام عبارة عن الشهادتين مع التصديق بالقلب والإيمان عبارة عن جميع الطاعات .." .

- الإمام البيهقي رحمه الله تعالى (458)

قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه ( الاعتقاد)(حاشية : وكتاب الاعتقاد هذا من مطبوعات رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وقد طبع بطلب من سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى .

قال محقق الكتاب (ص5) : " فقد أحال إليّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام ... كتاب الاعتقاد للإمام الحافظ البيهقي برقم (1277/خ وتاريخ 14/11/1406هـ) يطلب مني القيام بتخريج أحاديثه، والتنبيه على المسائل المخالفة لمذهب السلف الصالح مما أورد المؤلف فيه ".

ثم قال المحقق في هامش (ص7) : " تنبيه : بعد تخريج أحاديث الكتاب والتعليق عليه طلب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله من فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي مراجعته والإفادة عماّ يلاحظه عليه . فأجابه بأنه قرأ الكتاب من أوله إلى آخره .. وأنه لاحظ أنه فيه مواضع تحتاج إلى تعليق .. ثم علق عليها . وعددها ثمان تعليقات .. وعند ذلك أمر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله بطبع الكتاب " . ) انتهت الحاشية .

(ص191-192) :

" ذهب أكثر أصحاب الحديث إلى أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها وأنها على ثلاثة أقسام :

1- فقسم يكفر بتركه وهو اعتقاد ما يجب اعتقاده والإقرار بما اعتقده .

2 - وقسم يفسق بتركه أو يعصي ولا يكفر به إذا لم يجحده وهو مفروض الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام والحج واجتناب المحارم .

3 - وقسم يكون بتركه مخطئا للأفضل غير فاسق ولا كافر وهو ما يكون من العبادات تطوعا ".

أقول : الإمام البيهقي رحمه الله يحكي مذهب أكثر أهل الحديث في أن اسم الإيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها، وأن المؤمن لا يكفر إلا بترك ما يجب اعتقاده والإقرار به، وأنه يفسق بتركه الطاعات ولا يكفر إلا إذا كان جاحدا لوجوب هذه الطاعات .

وقوله هذا يوافق ما قرره ونقله الإمامان ابن نصر وابن عبد البر رحم الله الجميع .

- وقال رحمه الله في كتابه شعب الإيمان (1/92) (طبعة دار الرشد . ت: د/ عبد العلي):

" باب الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز .

قال الله تعالى : {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق...} الآية، فأمر المؤمنين أن يقولوا آمنا بالله .

وقال الله عز وجل : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } فأخبر أن القول العاري عن الاعتقاد ليس بإيمان وأنه لو كان في قلوبهم إيمان لكانوا مؤمنين لجمعهم بين التصديق بالقلب والقول باللسان ودلت السنة على مثل ما دل عليه الكتاب .

- وقال رحمه الله في الكتاب نفسه (1/109) تحت باب : الدليل على أن الطاعات كلّها إيمان، وبعد أن ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان :

" وأما قول الله عز وجل : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ...} فأفرد العمل الصالح بالذكر، وقد قال أيضا : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فأفرد التواصي بالحق والتواصي بالصبر بالذكر، ولم يدل ذلك على أنهما ليسا من الأعمال الصالحة .

فكذلك قوله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } لا يدل على أن عمل الصالحات ليس بإيمان، وإنما معناه أن الذين آمنوا أقلّ الإيمان -وهو الناقل عن الكفر- ثم لم يقتصروا عليه، ولكنهم ضموا إليه الصالحات، فعملوها حتى ارتقى إيمانهم من درجة الأقل إلى الأكمل " .

- الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر حافظ المغرب (463)

-قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد (4/186) (طبعة دار الفاروق الحديثة) في شرح حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (خمس صلوات كتبهن الله..) : " وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله، إذا كان موحدا مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا مقرا وإن لم يعمل، وهذا يرد قول المعتزلة والخوارج بأسرها .

ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه يكون مسلما قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقدة نيته؛ فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرا إلا برفع ما كان به مسلما وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم " .

أقول : تأمل قوله وهو يعلل عدم تكفير تارك الصلاة : " .. إذا كان موحدا مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا مقرا وإن لم يعمل " .

أي : من كان هذا حاله -سواء ترك الصلاة أو غيرها من أعمال الجوارح, آحادها أو كلّها- يكون تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ثم يخرجه بإيمانه وتوحيده من النار، وكلامه بعد هذا يؤكد هذا الفهم, حيث قال : " فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرا إلا برفع ما كان به مسلما وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده والله أعلم " .

- وقال أيضا رحمه الله في (6/344-345) عند حديث أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله ...) :

" روي من حديث أبي رافع عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: (قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد) وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى .

والأصول كلها تعضدها والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن مات كافرا، وهذا ما لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل القبلة .

وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: (لم يعمل حسنة قط) أو (لم يعمل خيرا قط )لم يعنِ به إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير، وهذا شائع في لسان العرب جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل والمراد البعض " .

أقول : الإمام ابن عبد البر يرى أن معنى هذا الحديث صحيح وتعضده الأصول والنظر، ومن أدلته قوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) .

ويرى أن ما قرره لا مدفع له ولا خلاف فيه بين أهل القبلة .

وتأمل جيِّدا قوله في تفسير حديث (لم يعمل حسنة قط) أو (لم يعمل خيرا قط ) : " لم يعنِ به إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير" ، وقوله هذا يوافق ما قرره ونقله الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله .

- العلامة أبو محمد اليمني( حاشية : قال محقق الكتاب الدكتور محمد بن عبد الله الغامدي في (1/4) وهو يتحدث عن عقيدة المؤلف : " ينفرد أبو محمد اليمني رحمه الله تعالى عمّن سبقه ممن كتب في الفرق بأنه سلفي العقيدة، وهذا ظاهر في كتابه؛ في ردوده على الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، وعرضه لعقيدتهم، ثم ختم كتابه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة ...وتتضح عقيدته السلفية في تفاصيل كتابه؛ مبيناً لعقيدة السلف وناصراً لها ومدافعاً عنها، وراداً على خصومها " )انتهت الحاشية .

(من علماء القرن السادس الهجري)

قال رحمه الله في كتابه (عقائد الثلاث وسبعين فرقة) (1/313) : " وأما مقالة الفرقة السابعة التي هي أهل السنة والجماعة؛ فإنهم قالوا : الإيمان : إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالجوارح، وكل خصلة من خصال الطاعات المفروضة إيمان، فعلى هذا الإيمان عندهم التصديق، وموضعه القلب والمعبر عنه باللسان، وظاهر الدليل عليه بعد الإقرار شهادة الأركان، وهي ثلاثة أشياء : شهادة، واعتقاد، وعمل .

فالشهادة تحقن الدم وتمنع المال وتوجب أحكام الله .

والعمل يوجب الديانة والعدالة، وهذان ظاهران يوجبان الظاهرة الشريعة(حاشية : هكذا في الأصل ولعل هناك سقطاً !! ) .

فأما العقيدة فإنها تظهرها الآخرة؛ لأنها خفية لا يعلمها إلا الله .

فمن ترك العقيدة بالقلب وأظهر الشهادة فهو منافق، ومن اعتقدها بقلبه وعبّر عنها لسانه وترك العمل بالفرائض عصياناً منه فهو فاسق غير خارج بذلك عن إيمانه، لكنه يكون ناقصا، وتجري عليه أحكام المسلمين، اللهم إلا إن تركها وهو جاحد بوجوبها فهو كافر حلال الدم ويجب قتله " .

- شيخ الإسلام ابن تيمية (728)

-قال رحمه الله تعالى في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص353) :

" وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه كدعاء بلعام بن باعوراء على قوم موسى عليه السلام وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص فيدعوا لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح فيستجاب له ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء كما يستحقها على سائر الذنوب فإن لم يحصل له ما يمحو ذلك من توبة أو حسنات ماحية أو شفاعة غيره أو غير ذلك وإلا فقد يعاقب إما بأن يسلب ما عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته فينزل عن درجته وإما بأن يسلب عمل الإيمان فيصير فاسقا وإما بأن يسلب أصل الإيمان فيكون كافرا منافقا أو غير منافق " .

أقول : كلام شيخ الإسلام هنا يوافق ما نقله الإمام البيهقي عن جمهور أهل الحديث من أنه بترك أصل الإيمان يكون كافرا، وبترك العمل ( أي عمل الجوارح ) يكون فاسقا .

- وقال رحمه الله تعالى في مجوع الفتاوى (7/637) : " ثم هو في الكتاب بمعنيين‏:‏ أصل وفرع واجب، فالأصل الذي في القلب وراء العمل؛ فلهذا يفرق بينهما بقوله‏:‏ ‏{‏آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏7‏]‏ والذي يجمعهما كما في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏2‏]‏، و ‏{‏لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏44‏]‏‏.‏ وحديث الحياء، ووفد عبد القيس .

وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرهما من الأعيان، والأعمال والصفات .

فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل، ومنه ما نقص عن الكمال، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول، الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط، وبهذا تزول شبهات الفرق، وأصله القلب وكماله العمل الظاهر، بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر، وكماله القلب‏ " .

كلام شيخ الإسلام هذا يوافق كلام الأئمة قبله في تقسيم الإيمان إلى أصل وفرع، ومن الفروع ما هو واجب يستحق بتركه العقوبة وينقص به إيمانه، ومستحب يفوت بفواته علو الدرجة .

تأمل قول شيخ الإسلام رحمه الله : " ومنه ما نقص عن الكمال، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات " .

وقوله : " وهو مركب من أصل لا يتم بدونه " يقصد به أنه لا يكون مؤمنا بدونه، أي يكون بدونه كافرا كما قرره الأئمة قبله ويقرره هو في كثير من كتبه .

- وقال رحمه الله في (20/90-91) : " فإن قلت فالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهي عنه‏ .‏

قلت‏:‏ لكن المأمور به إذا تركه العبد‏:‏ فإما أن يكون مؤمنا بوجوبه، أو لا يكون فإن كان مؤمنا بوجوبه تاركا لأدائه فلم يترك الواجب كله بل أدى بعضه وهو الإيمان به وترك بعضه وهو العمل به‏.‏

وكذلك المحرم إذا فعله، فإما أن يكون مؤمنا بتحريمه أو لا يكون فإن كان مؤمنا بتحريمه فاعلا له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم فصار له حسنة وسيئة‏ " .

كلام شيخ الإسلام هنا صريح في عدم تكفير من ترك أعمال الجوارح إذا كان مؤمنا مقرا بوجوبها، لأنه قد أتى بأصل الإيمان .

- وقال رحمه الله في (11/138) في مناظرته لابن المرحل : " لأن التكفير نوعان‏:‏ أحدهما‏:‏ كفر النعمة‏ .

والثاني‏:‏ الكفر بالله‏ .‏

والكفر الذي هو ضد الشكر‏:‏ إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله‏.‏ فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله‏.‏

قلت‏:‏ على أنه لو كان ضد الكفر بالله، فمن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله‏، والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية‏، كما قال أهل السنة‏ :‏ إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا، حتى يترك أصل الإيمان‏، وهو الاعتقاد‏ .‏

ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة -التي هي ذات شعب وأجزاء- زوال اسمها، كالإنسان، إذا قطعت يده، أو الشجرة، إذا قطع بعض فروعها "‏ .

شيخ الإسلام هنا يحكي مذهب أهل السنة في أن : من ترك فروع الإيمان (أي أعمال الجوارح) لا يكون كافرًا، حتى يترك أصل الإيمان‏، وهو الاعتقاد .

وكلامه هنا يؤيد ويؤكد كلامه في النصّ السابق .

- وقال رحمه الله في (11/671) : " من أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلد في النار، ولو فعل ما فعل " .

هذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله صريح -أيضا- في نجاة من ترك أعمال الجوارح من الخلود في النار إذا أتى بالإيمان والتوحيد . وهو تأكيد لما سبق عنه وعن الأئمة .

- وقال رحمه الله في (7/302) : " وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر, وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها " .

والشاهد من كلام الإمام رحمه الله أنه حكى الإجماع على كفر تارك الشهادتين فقط, ولو كان هناك إجماع على كفر تارك جنس العمل لحكاه ونقله في هذا الموطن الذي هو موطن بيان, فتأمل !!

- الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير (774)

قال رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } (هود : 106-107) :

" وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه (زاد المسير) وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرا منها الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في كتابه، واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضا :

أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط وقال يوما من الدهر لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة " .

- الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى (795)

- قال رحمه الله في فتح الباري (1/88) عند شرحه لحديث أبي سعيد في الشفاعة :

" وهذا يستدل به على أن الإيمان القولي – أعني : كلمة التوحيد- والإيمان القلبي وهو التصديق، لا يقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لَخُلِّد بعض أهل التوحيد، وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة .

وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح " .

- وقال أيضا في (1/112) : " ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة، كما سبق ذكره " .

-وقال رحمه الله في كتابه التخويف من النار (ص285) بعد ذكره لحديث أبي سعيد الطويل في الشفاعة :

" والمراد بقوله (لم يعملوا خيرا قط) من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار إنه لم يعمل خيرا قط غير التوحيد " .

- وقال رحمه الله أيضا في (ص286) من الكتاب نفسه : " وهذا يدل على أن الذين يخرجهم اللهم برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد الذين لم يعملوا معها خيرا قط بجوارحهم والله أعلم " .

أقول :

- انتبه إلى قول الإمام ابن رجب رحمه الله : " وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين " يعني ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة . وكلامه هذا يشبه ما نقلناه عن شيخ الإسلام سلفاً : " من أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلد في النار، ولو فعل ما فعل " .

وأكد هذا في النص الثاني بقوله : " ومعلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان، وبهما يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة، كما سبق ذكره ".

وفي النص الثالث صرح بقوله : " والمراد بقوله (لم يعملوا خيرا قط) من أعمال الجوارح وإن كان أصل التوحيد معهم " .

فهذا التفسير للحديث هو الذي يتمشى مع ظاهر الحديث ونصه، وما فيه من النفي العام المؤكد بقوله : (لم يعملوا خيرا قط) .

ويتمشى مع ما نقله الأئمة عن أهل السنة أو جمهورهم .

وفي النص الرابع تأكيد لنصوصه الثلاثة السابقة وتصريح بأن هؤلاء الذي أخرجوا من النار برحمة الله أنهم أُخرِجوا من النار بتوحيدهم وأنهم لم يعملوا بجوارحهم خيرا قط .

- وقال رحمه الله في الفتح ( 1/126-127) : " واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما، فقالت طائفة : الإسلام : كلمة الشهادتين ، والإيمان العمل . وهذا مروي عن الزهري وابن أبي ذئب، وهو رواية عن أحمد، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه. ويشبه هذا : قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال :  لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا  فقال : الإسلام إقرار، والإيمان تصديق .وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث " .

- العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (1182)

قال رحمه الله تعالى في كتابه (رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار) (ص132) : " وهذا الحديث فيه الإخبار بأن الملائكة قالت : ( لم نذر فيها خيرا ) أي : أحدا فيه خير والمراد ما علموه بإعلام الله . ويجوز أن يقال: لم يعلمهم بكل من في قلبه خير وأنه بقي من أخرجهم بقبضته ويدل له أن لفظ الحديث ( أنه أخرج بالقبضة من لم يعملوا خيرا قط ) فنفى العمل ولم ينف الاعتقاد وفي حديث الشفاعة تصريح بإخراج قوم لم يعملوا خيرا قط ويفيد مفهومه أن في قلوبهم خيرا . ثم سياق الحديث يدل على أنه أريد بهم أهل التوحيد لأنه تعالى ذكر الشفاعة للملائكة والأنبياء والمؤمنين ومعلوم أن هؤلاء يشفعون بعصاة أهل التوحيد " .

كلام الإمام الصنعاني رحمه الله صريحٌ في نجاة من ترك أعمال الجوارح من الخلود في النار إذا أتى بالاعتقاد والتوحيد . وهو تأكيد لما سبق عن الأئمة .

- العلامة السّفّاريني الحنبلي رحمه الله (1188)

قال رحمه الله في كتابه لوامع الأنوار (2/134) وهو يفسر قوله تعالى : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً} (الأنعام :158) : " من تحقّق اتصافه بالإيمان الشرعي من قبل ذلك الوقت، واستمر إيمانه إلى طلوع الشمس من مغربها، فهو لا يخلو :

- إما أن يكون مؤمنا مقيما على المعاصي (لم يكسب في إيمانه خيرا) .

- أو مؤمناً مخلطا .

- أو مؤمنا تائبا عن المعاصي؛ كاسبا في إيمانه خيرا ما استطاع .

فالأول : ينفعه الإيمان السابق (المجرد عن الأعمال) لأصل النجاة، فلا يخلد في النار وإن دخلها بذنوبه، فالإيمان السابق ينفعه " .

- وقال أيضا رحمه الله في (2/136) : " فإن الإيمان المجرد عن الأعمال الصالحة السابقة على ذلك اليوم، ينفع صاحبه لأجل نجاته " .

- كلام هذا الإمام صريح جدا في نجاة تارك أعمال الجوارح من الخلود في النار إذا أتى بالإيمان, وهو موافق لكلام الأئمة قبله, خاصة كلام شيخ الإسلام الذي نقلناه سابقاً : " من أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلد في النار، ولو فعل ما فعل " .

- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى (1206)

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كما في الدرر السنية (1/102) في جوابه عمّا يقاتل عليه، وعما يكفر الرجل به ؟ :

" أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة ؛ فالأربعة : إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها ؛ والعلماء : اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان " .

أقول :

1- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله – لم يأت برأي جديد وإنما سار على درب جمهور أهل السنة واقتفى أثرهم .

2- الإمام محمد - رحمه الله - يرى أنه لا يكفر تارك الأركان الأربعة تهاوناً وإن قاتله من أجل تركها .

3- ويذكر أن العلماء اختلفوا في تارك هذه المباني الأربعة كسلاً من غير جحود، وأنه لا يكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان .

أليس كلامه هذا نصاً في عدم تكفير تارك العمل أو ما يُسمّى تارك جنس العمل ؟!

فهل هذا الإمام الهمام مرجئ أو عنده إرجاء ؟!

- الإمام عبد الرحمن بن حسن حفيد الإمام محمد بن عبد الوهاب (1285)

قال رحمه الله في الدرر السنية (11/317) تأكيدا لما قاله جده الإمام رحمه الله :

" وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - " سألني الشريف عما نقاتل عليه، وما نكفر به ؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع ثم ذكر هذه الأنواع... "

فهذا الإمام عبد الرحمن يؤكد ما قاله جده الإمام محمد بن عبد الوهاب فهل هو مرجئ غال ؟!

- الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله (1295)

قال رحمه الله في الدرر السنية (1/ 467) مؤكدا أيضا ما عليه آباؤه :

" وأخبرتهم ببراءة الشيخ، من هذا المعتقد، والمذهب وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له، فيما يستحقه على خلقه، من العبادات، والإلهية، وهذا مجمع عليه أهل العلم والإيمان" .

فهذا الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن يؤكد ما عليه آباؤه ويبرئ الإمام محمد بن عبد الوهاب من عقيدة التكفيريين الجهال .

وأن الإمام محمد لا يكفر إلاَّ بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر الناقض للشهادتين، والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة .

وأنت ترى أنه ليس في كلام هذه السلالة الطيّبة تكفير تارك أعمال الجوارح مع أن الموطن موطن بيان, فتأمل ولا تتعجل .

- العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله (1349)

- قال رحمه الله في كتابه (الأسنّة الحداد) (ص57) وهو يرد على فرية الحداد من أن الإمام محمد بن عبد الوهاب يكفر الناس منذ ستمائة سنة : " وأما ما زعمه أنه يكفر الناس منذ ستمائة سنة, فقد أجاب الشيخ عن هذا بقوله: (سبحانك هذا بهتان عظيم) وأما قوله ويثبت الإيمان لكل من تبعه إلى آخره فالجواب أن يقال : مراد هذا الملحد المفتري: أن من تبع الشيخ محمدا على توحيد الله وتبرأ من عبادة الطواغيت, وتبرأ من الشرك وأهله, ووافقه على إخلاص العبادة والدعوة لله, وتاب وأناب إلى الله مما كان يفعله من الشرك بالله, ودعوة الصالحين وغيرهم من الأحياء والأموات, وعرف معنى قول لا إله إلا الله, وأنها نفي وإثبات؛ فشطرها الأول : نفي الألوهية مطلقا, والثاني : إثباتها لله, دون ما سواه من أهل السماوات والأرض من الأحياء والأموات, سماه مؤمنا موحدا, وأثبت له الإيمان, وإن كان فاسقا فنعم هكذا قال الشيخ- رحمه الله -, وعلى هذا سائر العلماء من أهل السنة والجماعة؛ وذلك أن الإنسان إذا دخل في الإسلام وحكم بإسلامه لا يخرجه من الإسلام ما يفعله من الكبائر؛ كالسرقة, والزنا, وشرب المسكر, وأخذ الأموال ظلما وعدوانا, وإنما يخرجه من الإسلام إلى الكفر الشركُ بالله, وإنكار ما جاء به الرسول من الدين بعد معرفته بذلك, وإقامة الحجة عليه, وقد قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}( النساء : 48 ) , فثبت بهذه الآية المحكمة أن جميع الذنوب ما خلا الشرك بالله معلقة بالمشيئة؛ قد يغفرها لمن يشاء من عباده, وأن الشرك بالله لا يغفره إلا بالتوبة, ومن مات عليه فهو من أهل النار المخلدين فيها, ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم, ولا ينفع مع الشرك بالله عمل البتة " .

- وقال رحمه الله في كتابه (الضياء الشارق) (ص35) مطابع الرياض و(ص82) دار العاصمة : " فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة ومن فرق بين ما فرق الله ورسوله من الذنوب ودان بحكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة في الفرق بين الذنوب والكفر فقد أنصف ووافق أهل السنة والجماعة .

ونحن لم نكفر أحداً بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله إذا قامت عليه الحجة وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد كما حكاه في الإعلام لابن حجر الشافعي..." .

كلام العلامة ابن سحمان رحمه الله يؤكد ما قاله وقرره سلفه من أئمة التوحيد والسنة ، من عدم تكفير أحدٍ بذنب دون إنكار ما جاء به الرسول من الدين والشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله إذا قامت عليه الحجة .

وليس في كلامه تكفير تارك أعمال الجوارح, مع أن الموطن موطن بيان !!

- سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز (1420)

فهذا سؤال ضمن مجموعة من الأسئلة وجهت للشيخ العلامة عبدا لعزيز بن باز – رحمه الله – نشرتها مجلة الفرقان في العدد(94 السنة العاشرة شوال 1418هـ ص/ 11)

وهذا نص السؤال وجواب الشيخ رحمه الله :

س2: هل العلماء الذين قالوا بعدم كفر من ترك أعمال الجوارح مع تلفظه بالشهادتين ووجود أصل الإيمان القلبي. هل هم من المرجئة؟

سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله :

لا؛ هذا من أهل السنة والجماعة ؛ من قال بعدم كفر تارك الصيام ، أو الزكاة ، أو الحج هذا ليس بكافر، لكن أتى بكبيرة عظيمة، وهو كافر عند بعض العلماء، لكن الصواب لا يكفر كفراً أكبر .

أما تارك الصلاة فالأرجح أنه كفر أكبر إذا تعمد تركها، وأما إذا ترك الزكاة والصيام والحج، فهذا كفر دون كفر،معصية كبيرة من الكبائر، والدليل على هذا أن النبي – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال لمن منع الزكاة : يؤتى به يوم القيامة ويعذب بماله.

كما دل عليه القرآن: (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:35)

أخبر النبي – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أنه يعذب بماله، بإبله وبقره وغنمه وذهبه وفضته، ثم يرى سبيله بعد هذا إلى الجنة أو إلى النار. دل على أنه لم يكفر، وأنه يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار ، دل على توعده ، قد يدخل النار وقد يكتفي بعذاب البرزخ ولا يدخل النار ، وقد يكون إلى الجنة بعد العذاب الذي في البرزخ .

س3: شيخنا بالنسبة للإجابة على السؤال الأول فهم البعض من كلامك أن الإنسان إذا نطق بالشهادتين ولم يعمل فإنه ناقص الإيمـان ، هل هذا الفهم صحيح ؟

سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى : نعم

فمن وحد الله وأخلص له العبادة ، وصدق رسول الله – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، لكنه ما أدى الزكاة ، أو ما صام رمضان ، أو ما حج مم الاستطاعة يكون عاصياً ، أتـى كبيرة عظيمة ، و يتوعد بالنار ، لكن لا يكفر على الصحيح ، أما من ترك الصلاة عمداً فإنه يكفر على الصحيح .

س13 : أعمال الجوارح تعتبر شرط كمال في الإيمـان ، أم شرط صحة للإيمـان ؟

سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:

أعمال الجوارح منها ما هو كمال ، ومنها ما ينافي الإيمـان ، فالصوم يكمل الإيمـان ، والصدقة والزكاة من كمال الإيمـان ، وتركها نقص فـي الإيمـان ، وضعف فـي الإيمـان ، ومعصية ، أما الصلاة فالصواب أن تركها كفر – نسأل الله العافية – كفر أكبر ، وهكذا فالإنسان يأتـي بالأعمال الصالحات ، فهذا من كمال الإيمـان أن يكثر من الصلاة ، ومن صوم التطوع ، ومن الصدقات ، فهذا من كمال الإيمـان الذي يقوي به إيمـانـه . اهـ

الشاهد في كلام سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله أنه لم يبدع الذين لا يُكفرون تارك أعمال الجوارح، بل برّأهم من الإرجاء وحكم لهم بأنهم من أهل السنة .

وهذا دليل على إنصافه -رحمه الله- وعمق فهمه لمنهج السلف .

وانظر تفريقه –رحمه الله- بين من يستحق أن يوصف بالإرجاء وهم المرجئة الحقيقيون الذين يخرجون العمل من الإيمان ويقولون : إنه لا يزيد ولا ينقص ... الخ .

فيصادمون آيات كثيرة تثبت أن العمل من الإيمان، وأحاديث كثيرة كذلك مع مصادمتهم لعقيدة الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن سار على نهجهم .

وكذلك يصادمون آيات قرآنية تدل على زيادة الإيمان وأحاديث كثيرة تدل على نقصانه.

وبين أهل السنة الذين يؤمنون بأن العمل من الإيمان وأنه يزيد وينقص، لكنهم لا يكفرون تارك العمل بالكلية، فليسوا من الإرجاء في شيء، لأنهم لم يصادموا الكتاب والسنة ولا عقيدة الصحابة ومن تابعهم في أن العمل من الإيمان وأنه يزيد وينقص .

واعتقادهم أن تارك العمل أو جنس العمل ليس بكافر لا يخرجهم عن أهل السنة، كما لم يخرج من لا يكفر تارك الصلاة أو لا يكفر تارك الأركان الأربعة؛ لأن هذا من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد فللمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد .

وقد يكون الذين لا يكفرون تارك العمل هم أكثر أهل السنة، كما يتضح من النصوص التي نقلناها سلفاً عن طوائف من أهل السنة السابقين واللاحقين .

- العلامة المحدث عبيد الله الرحماني المباركفوري شيخ الجامعة السلفية في الهند (1414)

قال رحمه الله في (مرعاة المفاتيح) (1/36-37) : " وقال السلف من الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أصحاب الحديث : هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان؛ فالإيمان عندهم مركب ذو أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ومن هاهنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقصان –بحسب الكمية- ... قيل : وهو مذهب المعتزلة والخوارج؛ إلا أن السلف لم يجعلوا أجزاء الإيمان متساوية الأقدام، فالأعمال عندهم كواجبات الصلاة، لا كأركانها، فلا ينعدم الإيمان بانتفاء الأعمال، بل يبقى مع انتفائها، ويكون تارك الأعمال –وكذا صاحب الكبيرة- مؤمنا فاسقا لا كافرا، بخلاف جزءيه : التصديق والإقرار؛ فإن فاقد التصديق وحده منافق، والمخل بالإقرار وحده كافر، وأما المخل بالعمل وحده ففاسق؛ ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة .

- العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى (1417)

قال رحمه الله في شرح الأصول الثلاثة عند قول الإمام المجدد رحمه الله : " (( وأدناها إما طة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ))

قال الشيخ محمد أمان : وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، إماطة الأذى عن الطريق عملٌ من أعمال الجوارح ، جعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك من الإيمان ومن تمام إيمانك أن تحب لأخيك المسلم ما تحبه لنفسك وأن تكره لأخيك المسلم ما تكره لنفسك . { أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان } ، وبين أعلاها وأدناها شعب تتفاوت ، الصلاة شعبة من الإيمان ، الجهاد شعبة من الإيمان ، الزكاة شعبة من الإيمان ، وطلب العلم شعبة من الإيمان ، إذاً الإيمان يتألف من شعب كثيرة ، وليس مجرد التصديق وليس مجرد الإقرار لذلك فلنسمع هذا التعريف الشارح الذي شرح الإيمان من كلام أبن القيم قال رحمه الله : ( الإيمان هو حقيقةٌ مركبةٌ من معرفة ما جاء به الرسول ( علماً وتصديقاً عقداً والإقرار به نطقاً والانقياد له محبتاً وخضوعاً ، والعمل به ظاهراً وباطناً وتمثيله والدعوة إليه بحسب الإمكان وكماله في الحب في الله وفي البغض في الله ، والعطاء لله والمنع لله وأن يكون الله وحده إلهه ومعبودة والطريق إليه تجريد المتابعة للرسول ( ظاهراً وباطناً وتغميض عين القلب عن الالتفات [ بما ] سوى الله ورسوله )، وهذا هو الإيمان ، الإيمان مركب ومما ينتقد على علماء الكلام أهل السنة يقولون كيف يكون الإيمان مركباً ؟ لأن المركب إذا أزيل بعض أجزائه زال كله ، وهذا غير صحيح ما الذي يُرد على هذا ؟ يرد عليه الحديث السابق الذكر { الإيمان بضع وستون شعبة } لأن النبي جعل الشُعب متفاوتة الشعبة الأولى هي التي يزول الإيمان بزوالها إذا زالت الشعبة الأولى شعبة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله زال الإيمان كله لا يبقى شيء ، وهل إذا ترك الشعبة الأخيرة في الطريق على الأذى فلم يزله ، هل يزول إيمانه ؟ لا ، ينقص .

الشعب الأخرى غير الشعب الأولى بزوالها ينقص الإيمان بقدر ما يترك الإنسان شعبة من الشعب وبقدر ما يرتكب من المحرمات والمعاصي ينقص إيمانه ولا يزول ، وإنما يزول بزوال كلمة التوحيد والكفر بها والإتيان بما يناقضها " .

انتبه إلى قول الشيخ محمد أمان رحمه الله : " وإنما يزول بزوال كلمة التوحيد والكفر بها والإتيان بما يناقضها " فإنك تجده قد سار في درب السلف أو جمهورهم ومن نقل عنهم من الأئمة .

أقول في ختام هذا الفصل :

هذه نقول كثيرة ومستفيضة عن جماعة وأئمة كُثُر من أعلام السنة ومناراتها اتفقت في المعنى واختلفت في المبنى؛ اتفقت على أن تارك أعمال الجوارح بالكليّة -إذا كان مصدقا بقلبه ناطقاً بلسانه- ليس بكافر الكفر الأكبر الذي يخلّد صاحبه في النار, وإنما كافرٌ الكفر الأصغر الذي لا يخلّد صاحبه في النار إن دخلها . فإذا كان هناك إجماع منقول على كفر تارك أعمال الجوارح, فما حكم من خالف هذا الإجماع عندكم ؟!

وما حكم هؤلاء الأئمة الذين خالفوا هذا الإجماع ؟!

وهل هؤلاء اطّلعوا على هذا الإجماع وتعمّدوا مخالفته أو جهلوه ؟!

هذه أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابة سديدة !!

فافهم هذا أخي رحمك الله ولا يهولنك ولا يفزعنك إرجاف من أرجف وتهويل من هوّل, فالحق أبلج والباطل لجلج .

لايفزعنّك قعاقعٌ وفراقعٌ **** وجعاجعٌ عريت عن البرهان

هذا؛ ونحن -بحمد الله- نعرف أن هناك من الأئمة من يكفر بترك الصلاة، وهناك من يكفر بترك واحد من المباني الأربعة، بل ومن يكفر بترك المباني كلّها، فنجلّهم ونعرف لهم قدرهم ومكانتهم ونتقرب إلى الله بحبهم .

فهذه مسائل يسوغ فيها الاجتهاد؛ للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد .

وهم كلّهم طائفة واحدة؛ هي الطائفة المنصورة، وعقيدتهم ومنهجهم واحد في كلّ أبواب الدين، بما في ذلك باب الإيمان والعمل .

ولهذا لا ترى بعضهم يطعن في البعض الآخر ولا يبدعه؛ لأنهم جميعا أهل دين وعدل وإنصاف .

ولكن المصيبة كلّ المصيبة، والمحنة كل المحنة عند من اخترعوا الإجماع على كفر تارك جنس العمل -وهم ليسوا من أهل العلم ولا يعرفون مواطن الإجماع والاختلاف بين أهل السنة وغيرهم- ثم ذهبوا هنا وهناك يركضون بالفتنة والشغب على أهل السنة، ويرمونهم بالضلال والإرجاء، بل والإرجاء الغالي !!

لماذا كلّ هذا ؟! لأنهم لم يُكَفِّروا تارك جنس العمل .

فجاء حكمهم هذا الغالي الخارجي منصبّاً على جمهور أئمة السنة والحديث !!

نسأل الله العلي العظيم أن يهديهم إلى سواء السبيل أو يريح الناس من فتنتهم ومحنتهم.

وقفة مع الإجماع المنسوب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى على كفر تارك جنس العمل نقل الإمام اللالكائي( ) رحمه الله عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله : " وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" . انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (5/886-887)

لقد كنت أتردد كثيرا في صحة نقل الإجماع على كفر تارك جنس العمل الذي يزعمون أن الإمام الشافعي قد نقله عن الصحابة والتابعين ، فشمّرت عن ساعد الجدّ في البحث عن هذا الإجماع المنسوب إلى الإمام الشافعي رحمه الله, فأقول وبالله أستعين :

1- لم أجد هذا الإجماع المنسوب للشافعي، لا في كتاب الأم ولا في غيره من كتب الإمام رحمه الله، ولم يجده أيضا محقق كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للإمام اللالكائي رحمه الله !!

2- ولم أجد أحدا من أئمة السنة الذين كتبوا في عقائد أهل السنة بعد الشافعي من نقل عن الشافعي هذا النصّ كالمزني وعبد الله بن الإمام أحمد وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم فيما نقله عن أبيه وأبي زرعة وغيرهم .

3- لم أجد من ينقله من تلاميذ الإمام الشافعي كابنه محمد أبي عثمان والربيع بن سليمان وحرملة بن يحي وغيرهم، ولم أجد من ينقله من الشافعية في كتبهم على كثرتهم وحرصهم على نقل مذهب إمامهم في كل مسألة دقيقة أو جليلة !!

بل نقل ابن أبي حاتم عن أبيه عن حرملة بن يحي قال : " اجتمع حفصٌ الفرد ومصلان الإباضي عند الشافعي في دار الجروي (يعني بمصر)؛ فاختصما في الإيمان؛ فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان، واحتج حفص الفرد في أن الإيمان: قول . فعلا حفصٌ الفرد على مصلان وقَوِيَ عليه وضعف مصلان فَحَمِيَ الشافعي, وتَقَلَّد المسألة على أن الإيمان: قول وعمل, يزيد وينقص, فطحن حفصاً الفرد وقطعه " (حاشية انظر آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص192) ) . انتهت الحاشية .

وعقد الإمام البيهقي رحمه الله تعالى –وهو أعرف الناس بمذهب الشافعي- فصلا كاملاً في كتابه (مناقب الشافعي) في الجزء الأول (1/385-398) في حكاية مذهب الشافعي في الإيمان بأنه قول وعمل يزيد وينقص، ولم يحكِ عنه هذه العبارة (لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) لا بسند صحيح ولا بسند ضعيف على الرغم من كثرة الأقوال التي ساقها له في الإيمان !!

ومن ذلك ما يأتي :

- نقل البيهقي رحمه الله في (1/385) بإسناده عن الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص)(ونقله أيضا بالسند نفسه في كتابه الاعتقاد (ص200) . ).

- ونقل في (1/387)(ونقل هذه المحاورة أيضا : الحافظ ابن عبد البر كما في تهذيب السنن (12/294) لابن القيم, وعون المعبود للعظيم آبادي (10/208) رحم الله الجميع . ) بإسناده عن أبي محمد الزبيري قال :

قال رجل للشافعي : أيّ الأعمال عند الله أفضل ؟

قال الشافعي : ما لا يقبل عملا إلا به . قال : وما ذاك ؟

قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو؛ أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظّا.

قال الرجل : ألا تخبرني عن الإيمان : قول وعمل, أو قول بلا عمل ؟

قال الشافعي : الإيمان عمل لله, والقول بعض ذلك العمل .

قال الرجل : صِفْ لي ذلك؛ حتى أفهمه .

قال الشافعي : إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات؛ فمنها التامّ المنتهي, والناقص البيّن نقصانه, والراجح الزائد رجحانه .

قال الرجل : وإن الإيمان ليتمّ, وينقص ويزيد ؟

قال الشافعي : نعم . قال : وما الدليل على ذلك ؟

قال الشافعي : إن الله جلّ ذكره, فرض الإيمان على جوارح بني آدم فقسمه فيها وفرّقه عليها, فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وُكِّلت من الإيمان بغير ما وُكِّلت به أختها بفرضٍ من الله تعالى .

ثم استطرد الإمام الشافعي في بيان الإيمان الذي افترضه الله على كلّ جارحة؛ فذكر ما افترضه الله على القلب, وما افترضه على اللسان, وما افترضه على السمع, وما افترضه على العينين, وما افترضه على اليدين ...الخ ما ذكره رحمه الله تعالى .

ثمّ قال رحمه الله : فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح .

وسمّى الطهور والصلوات إيماناً في كتابه, وذلك حين صرف الله تعالى وجه نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة إلى بيت المقدس, وأمره بالصلاة إلى الكعبة . وكان المسلمون قد صلّوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا, فقالوا : يا رسول الله, أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس, ما حالها وحالنا ؟ فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }, فسمّى الصلاة إيمانا .

فمن لقي الله حافظا لصلواته, حافظا لجوارحه, مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها لقيَ الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة, ومن كان لشيءٍ منها تاركاً متعمدا مما أمر الله به لقي الله ناقص الإيمان .

قال : وقد عرفت نقصانه وإتمامه, فمن أين جاءت زيادته ؟

قال الشافعي : قال الله جلّ ذكره : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقال : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }.

قال الشافعي : ولو كان هذا الإيمان كلّه واحداً لا نقصان فيه ولا زيادة لم يكن لأحد فيه فضل, واستوى الناس وبطل التفضيل, ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة, وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة, وبالنقصان من الإيمان دخل المفرّطون النار " اهـ .

هذه بعض أقوال الشافعي في أن الإيمان قول وعمل، ليس في شيءٍ منها العبارة الواردة في هذا الإجماع المنسوب إليه (لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) مع أنه كان في موطن بيان وشرح في محاورته الطويلة مع الرجل الذي سأله عن الإيمان : هل هو قول وعمل أو قول بلا عمل .

ولو كان هناك إجماع ينقله الشافعي عن الصحابة والتابعين في الإيمان لاهتم به الإمام البيهقي رحمه الله ونقله في هذا الفصل الخاص بأقوال الشافعي في الإيمان، ولنقله الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله في الفصل الذي عقده في بيان أقوال الشافعي في الإيمان .

4- لقد نقل عدد من الأئمة مذهب السلف في أن الإيمان قول وعمل, وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك, ولم يذكروا هذه العبارة التي نقلها الشافعي في إجماعه المنسوب إليه (لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر)، ومن هذه النقول ما يأتي :

- قال وكيع رحمه الله : " أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل, والمرجئة يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل, والجهمية يقولون: إن الإيمان المعرفة" انظر الإيمان للعدني (ص96) .

- نقل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة رحم الله الجميع القول الآتي : " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصراً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم أنّ : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص " . انظر أصول السنة (ص10- تحقيق أبي عكاشة)

- وقال حرب بن إسماعيل فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) (1/429) : " هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها, وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والشام والحجاز وغيرهم عليها, فمن خالف شيئا من هذه المذاهب, أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق, وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم, فكان من قولهم: أن الإيمان قول وعمل " .

- وقال الإمام البخاري رحمه الله : " لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم؛ أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر؛ لقيتهم كرات قرنا بعد قرن ثم قرنا بعد قرن, أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين, والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد بالحجاز ستة أعوام, ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان, منهم المكي بن إبراهيم ويحيى بن يحيى وعلي بن الحسن بن شقيق وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر .

وبالشام محمد بن يوسف الفريابي وأبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وأبا اليمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدة كثيرة .

وبمصر يحيى بن كثير وأبا صالح كاتب الليث بن سعد وسعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرح ونعيم بن حماد .

وبمكة عبد الله بن يزيد المقري والحميدي وسليمان بن حرب قاضي مكة وأحمد بن محمد الأزرقي .

وبالمدينة إسماعيل بن أبي أويس ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن نافع الزبيري وأحمد بن أبي بكر أبا مصعب الزهري وإبراهيم بن حمزة الزبيري وإبراهيم بن المنذر الحزامي .

وبالبصرة أبا عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وأبا الوليد هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني .

وبالكوفة أبا نعيم الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى وأحمد بن يونس وقبيصة بن عقبة وابن نمير وعبد الله وعثمان ابنا أبي شيبة .

وببغداد أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا معمر وأبا خيثمة وأبا عبيد القاسم بن سلام ومن أهل الجزيرة عمرو بن خالد الحراني .

وبواسط عمرو بن عون وعاصم بن علي بن عاصم .

وبمرو صدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي .

واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرا وأن لا يطول ذلك, فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء : أن الدين قول وعمل, وذلك لقول الله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) اهـ .انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي (1/172-174) .

- وقال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله : " وأما القول في الإيمان هل هو قول وعمل, وهل يزيد وينقص أم لا زيادة فيه ولا نقصان؛ فإن الصواب فيه قول من قال هو قول وعمل يزيد وينقص, وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مضى أهل الدين والفضل " . انظر صريح السنة (ص25)

- وقال الإمام حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى : " أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والطاعات كلها عندهم إيمان " . انظر التمهيد (9 / 238)

- وذكر أبو عمرو الطلمنكي فيما حكاه عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (7/332) إجماع أهل السنة على أن " الإيمان قول وعمل ونية وإصابة السنة " .

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (7/672) : " وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص, ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب, ثم قول اللسان وعمل الجوارح ".

- وقال رحمه الله في المجموع (12/471) : " وأما أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم والتابعين وأئمة أهل السنة وأهل الحديث وجماهير الفقهاء والصوفية, مثل مالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم, ومحققي أهل الكلام, فاتفقوا على أن الإيمان والدين قول وعمل . هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم " .

تأمل قول شيخ الإسلام " فاتفقوا على أن الإيمان والدين قول وعمل . هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم " .

وتأمل كيف ذكر الشافعي مع الأئمة قبله من الصحابة والتابعين القائلين بأن: (الإيمان والدين قول وعمل) بهذا اللفظ دون عبارة (لا تُجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها) !

5- لا يبعد أن يكون من نقل هذا الإجماع عن الشافعي قد أخطأ ولا سيما في كلمة (لا يجزئ) لا نستبعد هذا .

وقد وهم كثير من الثقات من نقلة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره في كثير من الأحاديث والألفاظ وأُلِّفت في ذلك كتب كالعلل لابن المديني والعلل لابن أبي حاتم والعلل للدارقطني وغيرها .

وكم من كلام نُسب إلى الأئمة ولم يثبت عنهم، ومنها هذا الإجماع الذي نُسب إلى الشافعي ولم يوجد في كتابه ولا نقله عنه أصحابه ولا أهل مذهبه ولا نقله غيره من أئمة الإسلام كالإمام مالك والإمام أحمد ولا الأوزاعي ولا الثوري ولا غيرهم من أئمة الإسلام الذين حاربوا البدع ومنها بدعة الإرجاء، ونقلوا ما بلغهم عن علماء الإسلام في هذا الشأن .

ثم على فرض صحة هذا النقل عن الإمام الشافعي رحمه الله فيقال: إن الاستدلال به على دعوى كفر تارك أعمال الجوارح فيه نظر؛ وذلك من وجوه :

6- إن كلّ من ذكر هذا الإجماع المنسوب للشافعي من الأئمة -سواء ذكره بعبارته أو بمعناه- إنما يذكره في سياق تقرير عقيدة أهل السنة في أن العمل من الإيمان والرد على المرجئة المخالفين لأهل السنة في هذا الباب في إخراجهم العمل من الإيمان .

- فهاهو الإمام اللالكائي رحمه الله يقول في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) (4/830-832) :

" سياق ما روى عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح(حاشية :ولم يقل : سياق ما روى عن النبي في كفر تارك العمل فتنبه ! ) . انتهت الحاشية .

قالوا: الدال على أنه تلفظ باللسان قوله عز وجل: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)

والدالة على أنه اعتقاد بالقلب:

قوله : (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)

وقوله : (وحبب إليكم الإيمان وزينة في قلوبكم) ...

والدلالة على أنه عمل :

قال الله عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) وقال: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ...

وحديث الإعرابي لما عد عليه النبي الأعمال فإذا فعلت ذلك فقد آمنت .

فدل على أن مجموع هذه الأفعال إذا أتى بها فهو مؤمن .

وبه قال من الصحابة ممن تقدم ذكرهم في أن الصلاة من الإيمان : عمر وعلي ومعاذ وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وجابر بن عبد الله .

ومن التابعين عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومجاهد وعن هشام بن حسان ووهب بن منبه وعبد الله بن عبيد الله بن عمير .

قالوا: الإيمان قول وعمل .

وبه قال من الفقهاء : مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والليث بن سعد والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج وسفيان بن عيينة وفضيل بن عياض ونافع بن عمر الجمحي ومحمد بن مسلم الطائفي ومحمد بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان بن عفان والمثنى بن الصباح والشافعي وعبد الله بن الزبير الحميدي وأبو إبراهيم المزنى وسفيان الثوري وشريك وأبو بكر ابن عياش ووكيع وحماد بن سلمة وحماد بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن المبارك وأبو إسحاق الفزاري والنضر بن محمد المروزي والنضر بن شميل وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأبو ثور وأبو عبيد .

ثم ساق بعد هذا ما روي عن الأئمة من التابعين ومن بعدهم في تقرير أن الإيمان قول وعمل, ومما حكاه عنهم –على سبيل المثال لا الحصر- :

قول يحيى بن سليم في (4/847-848): " سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا : قول وعمل . سألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل .

وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل .

وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل .

وسألت المثني بن الصباح فقال: قول وعمل .

وسألت نافع بن عمر بن جميل فقال: قول وعمل .

وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل .

وسألت مالك بن أنس فقال: قول وعمل .

وسألت سفيان بن عيينة فقال: قول وعمل " .

وساق رحمه الله أقوال كثيرٍ من الأئمة قبل الشافعي في تقرير أن الإيمان قول وعمل .

إلى أن وصل إلى الإمام الشافعي رحمه الله فنقل عنه في (5/886-887) قوله : " وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر " .

- وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينقل كلام الشافعي بعد أن نقل عن بعض الأئمة ردّهم على المرجئة في إخراجهم العمل من الإيمان، فقال رحمه الله في المجموع : (7/308) : " ولهذا كان القول : إن الإيمان قول وعمل عند أهل السنة من شعائر السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله في (الأم) : " وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون : " إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" .

وقال رحمه الله في المجموع (12/471) : " وأما أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم والتابعين وأئمة أهل السنة وأهل الحديث وجماهير الفقهاء والصوفية, مثل مالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم, ومحققي أهل الكلام, فاتفقوا على أن الإيمان والدين قول وعمل .

هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم, وإن كان قد يعنى بالإيمان في بعض المواضع ما يغاير العمل, لكن الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين والإيمان, ويدخل في القول قول القلب واللسان, وفي العمل عمل القلب والجوارح " .

تأمل قول شيخ الإسلام رحمه الله : " فاتفقوا على أن الإيمان والدين قول وعمل . هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم " فأين ذكر عبارة (لا تُجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها) ؟!

- وهذا الإمام ابن القيم رحمه الله يحكي هذا الإجماع عن الشافعي في سياق بيان أن الإيمان قول وعمل؛ فقال رحمه الله في زاد المعاد (3/531) بعد أن ذكر قصة قدوم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ففي هذه القصة : أن الإيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم كلهم . ذكره الشافعي في المبسوط وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة " .

- وها هو أيضا الإمام ابن رجب رحمه الله ينقل كلام الشافعي بمعناه دون لفظه ودون عبارة (لا تُجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها) وهو يشرح في قول البخاري " الإيمان قول وعمل, فقال في شرحه على البخاري (1/5) : " وأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث . وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه, وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا " .

وقال رحمه الله أيضا وهو يقرر أن العمل من الإيمان وينكر على المرجئة في إخراجهم العمل من الإيمان : " والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم .

وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا " . جامع العلوم والحكم (ص27) عند شرح حديث جبريل عليه السلام .

- وهذا هو الحافظ ابن كثير رحمه الله يحكي عن الشافعي الإجماع في سياق تقرير أن الإيمان قول وعمل واعتقاد؛ فقال رحمه الله تعالى في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) : " فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا, هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة, بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ".

7- من المعلوم والمستفيض عن الإمام الشافعي رحمه الله القول بعدم تكفير تارك المباني الأربعة( ), فكيف بغيرها مما هو دونها ؟! فيبعد أن يفهم من عبارة (لايجزئ) أن تارك جنس العمل كافر .

ولا يُكَفِّر بترك الفرائض الأخرى غير المباني الأربعة إلا الخوارج المارقة !

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه على البخاري (1/24- ط: دار ابن الجوزي) : " فأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة . وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع " .

8- استعمل بعض الأئمة عبارات تشبه عبارة (لايجزئ) في تعريف الإيمان ولم يريدوا بها إبطال الإيمان وإنما أرادوا بها التأكيد, ومن ذلك :

- قول الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى في كتابه (الإبانة) (2/760-761): " اعلموا رحمكم الله أن الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولا, وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفَرَضه من الأعمال؛ لا تُجزئ واحدة من هذه إلا بصاحبتها.

ولا يكون العبد مؤمنا إلا بأن يجمعها كلّها حتى يكون مؤمنا بقلبه مقرّاً بلسانه عاملا مجتهدا بجوارحه .

ثم لا يكون -أيضا- مع ذلك مؤمنا حتى يكون موافقاً للسنة في كلّ ما يقوله ويعمله, متبعاً للكتاب والعلم في جميع أقواله وأعماله .." .

- ومن ذلك قول الحسن البصري رحمه الله : " لا يصح القول إلا بعمل ولا يصح قول وعمل إلا بنية ولا يصح قول وعمل ونية إلا بالسنة " . انظر اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/57)

- ومن ذلك قول سفيان الثوري رحمه الله تعالى : " والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يجوز القول إلا بالعمل ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة " . انظر اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/152-152) .

قلت : فهل سيفهم أحد من صغار طلبة العلم فضلا عن كبارهم من كلام هؤلاء الأئمة أن من ترك اتباع السنة في أقواله وأعماله فهو كافر ؟!

أم سيفهم أنهم أرادوا التأكيد الشديد على وجوب اتباع السنة في كلّ ما يقوله العبد ويفعله ؟!

لا شكّ أن الفهم الثاني هو المتعيّن بلا أدنى ريب أو تردد( ) .

9- إن ثبت هذا الإجماع المنقول عن الإمام الشافعي ونحوه، فيجب أن يُعامل معاملة النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كلام أصحابه في الذم والوعيد .

ويفسر هذا الإجماع المنقول مثل تفسير كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، خاصة أنّ من العلماء الذين نقلوا هذا الإجماع قد فهموا أن المراد من هذا الإجماع إنما هو إثبات أن الإيمان: قول وعمل ونية، لا كفر تارك جنس العمل، وأن المراد منه: الرد على المرجئة الذين يخرجون العمل من الإيمان، ويقولون: أنه لا يزيد ولا ينقص .

بعض الأمثلة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعامل أهل السنة معها قال الله تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) .

فهذا الجزاء بالخلود في النار -عند أهل السنة- إنما هو لمن استحل ذلك، وأما غير المستحل فلا يستحق الخلود في النار؛ لأنه مؤمن، بدليل قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) .

فنادى الجميع بالإيمان وأثبت للقاتل أخوة الإيمان .

ومثله قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله . فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين . إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) فأثبت الله عز وجل للطائفتين المقتتلتين الإيمان والأخوة فيه .

هذا وإن قتل النفس المؤمنة لمن أعظم الذنوب بعد الكفر بالله والوعيد للقاتل شديد، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) .

وهذا أصرح في التكفير من قولهم ( لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) .

ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) رواه الترمذي برقم (1535) وقال : " هذا حديث حسن . وفُسِّر هذا الحديث عند بعض أهل العلم : أن قوله: (فقد كفر أو أشرك) على التغليظ " .

فقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الحالف بغير الله قد كفر أو أشرك، وهذا أصرح في التكفير من قولهم ( لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) ومع ذلك فالمذهب الحق وهو مذهب أهل السنة : أنه مؤمن ناقص الإيمان، ليس بكافر ولا مشرك .

والتفسير الحق هو تفسيرهم؛ الذي يجمع بين النصوص ولا يضرب بعضها ببعض .

ومن هذا الباب حديث أنس وأبي أمامة وابن عمر وابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ) رواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة في الإيمان وابن حبان والطبراني وهو حديث حسن . وقد صح عن عمر رضي الله عنه .

ومع ذلك فقد، فسره أهل السنة بأنه لا يؤمن الإيمان كله، وهذا أصرح في نفي الدين عمّن لا أمانة له من قولهم ( لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) .

فلا يكفر بالخيانة والغدر بالعهد عند أهل السنة ويكفر عند الخوارج الكفر الأكبر .

ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قال : وما ذاك ؟ قال : جار لا يأمن جاره بوائقه ) .

فهذا مع تأكيد نفي الإيمان عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس بكافر الكفر المخرج من الملة -عند أهل السنة- وإنما هو مؤمن عاص بهذه الكبيرة أو عنده كفر دون كفر، بخلاف قول الخوارج الذين يكفرونه الكفر المخرج من الإسلام .

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لَا يَزْنِي الزَّانِي حين يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حين يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ ولا يَسْرِقُ حين يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ الناس إليه فيها أَبْصَارَهُمْ حين يَنْتَهِبُهَا وهو مُؤْمِنٌ ) رواه البخاري برقم (2343) ومسلم برقم (57) .

فهذا النص أخذ الخوارج بظاهره فكفروا هؤلاء !

وأهل السنة قالوا : إن هؤلاء من عصاة المؤمنين، وذنوبهم هذه من الكبائر، وليس المراد أنهم كفار خارجون من ملة الإسلام، وإنما المراد أنهم كفروا كفرا دون كفر .

والدليل على ذلك أن الله شرع في حقّهم إقامة الحدود، ولما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد على شارب الخمر قال بعض الصحابة للشارب: ( لعنك الله ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تعينوا الشيطان على أخيكم ) فأثبت له صلى الله عليه وسلم أخوة الإيمان وقال: ( إنه يحب الله ورسوله ) .

وأقام صلى الله عليه وسلم الحدود على الزناة، ولو كان الزنى كفراً لأمر الله بقتل الزاني لأن حكم المرتد القتل، قال تعالى : ( الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم مؤمنين ) .

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ليس المراد من نفي الإيمان عنه : نفيه بالكلية، وإنما المراد نفي كماله .

ومن هذا الباب قول عمر رضي الله عنه : ( من قدّم ثقله ليلة النفر فلا حج له ) رواه ابن أبي شيبة وابن الجعد وسنده صحيح .

فقوله هذا أقوى في النفي وأصرح من قولهم ( لا يجزئ ) ومع ذلك فلا يرى أحد أن حجّه قد بطل؛ لا عمر ولا غيره .

ومن هذا الباب قول بعض الصحابة لبعضهم : ( لا جمعة لك ) لأنه تكلم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : ( صدق )( ) ولم يأمره بأن يعيد الصلاة كما أمر المسيء صلاته بإعادتها مرات .

فهذه بعض الأمثلة -وغيرها كثير- تبين كيف تعامل أهل السنة مع النصوص القرآنية أو النصوص النبوية التي ظاهرها تكفير من ترك خلّة من خلال الإيمان ونفي الإيمان عنه .

فإن لم نحمل هذه العبارة الواردة في الإجماع المنسوب للشافعي على هذين الأمرين فإنه يترتب على ذلك أمور خطيرة :

أولها – تضليل من لا يكفر بترك الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وتضليل من لا يكفر تارك الأركان الأربعة بعد الشهادتين وما أكثرهم من أهل السنة .

ثانيها - تضليل من ذكرناهم في صدر هذا البحث من عظماء أئمة السنة .

ثالثها - تضليل طوائف أهل السنة والحديث الذين ذكرهم الإمام محمد بن نصر في كتابه تعظيم قدر الصلاة وقد سقنا أقوالهم في هذا البحث فيمن يخرجون من النار إنما يخرجون عندهم بما في قلوبهم من الإيمان والنطق بالشهادتين .

ونقول حاشا هؤلاء جميعاً من مخالفة الكتاب والسنة ومخالفة الإجماع فهم أعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأشد الناس تمسكاً بهما ، وموالاة من يتمسك بهما ومعاداة من يخالفهما من طوائف الضلال بما فيهم المرجئة، وهم أشد الناس احتراماً لما ينقل من الإجماعات في هذا الباب وغيره وأكثر اطلاعاً على ما ينقل وأعلم بمقاصد ما ينقل .

الفروق الأساسية بين أهل السنة الذين لم يكفروا تارك جنس العمل وبين المرجئة الذين شاركوهم في عدم تكفير تارك جنس العمل إن من الظلم المبين والباطل المشين الذي وقع فيه بعض من يقول بتكفير تارك جنس العمل: رمي واتهام من قال بعدم كفر تارك أعمال الجوارح من أهل السنة بأنهم مرجئة أو أنهم وافقوا المرجئة !!

وسأبين في هذا الفصل -إن شاء الله تعالى- الفروق الأساسية بين أهل السنة الذين لم يكفروا تارك جنس العمل وبين المرجئة الذين شاركوهم في عدم تكفير تارك جنس العمل, (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ), وذلك من وجوه :

الوجه الأوّل :

أول الفروق بين الطائفتين هو من حيث مفهوم الإيمان وحقيقته العلمية؛ فالإيمان عند أهل السنة الذين لم يكفروا تارك الأعمال هو : قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية .

أما المرجئة بجميع أصنافها فقد اتفقت على إخراج العمل من الإيمان, غير أنهم يتفاوتون في بعدهم عن أهل السنة في هذا الباب, فمن أقربهم إلى أهل السنة : مرجئة الفقهاء, الذين يقولون : الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب فقط, حتّى عدّ شيخ الإسلام الخلاف معهم خلافا لفظيا (!) بسبب أنهم يرون أن الأعمال من ثمرات الإيمان وأن مرتكب الكبائر وتارك الفرائض معرّض للوعيد .

ومن أبعدهم عن أهل السنة : الجهمية الغلاة, حتى كفّرهم كثيرٌ من السلف بسبب قولهم في الإيمان إنه مجرد المعرفة !

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : " أهل الإرجاء يقولون : الإيمان قول بلا عمل, وتقول الجهمية : الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل, ويقول أهل السنة : الإيمان المعرفة والقول والعمل " . انظر (السنة) للإمام عبد الله بن الإمام أحمد (ص347) .

الوجه الثاني :

أصل قول المرجئة بجميع أصنافها أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يقبل التبعيض فإذا ذهب بعضه ذهب كلّه, قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع (7/393-394) : " أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة وهو: أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه فلا يكون إلا شيئا واحدا؛ فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة؛ فإنه إذا كان له عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه, بل لا يكون إلا شيئا واحدا, ولهذا قالت الجهمية: أنه شيء واحد في القلب, وقالت الكرامية: أنه شيء واحد على اللسان؛ كل ذلك فرارا من تبعض الإيمان وتعدده فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئا واحدا " .

وأما أهل السنة الذي لم يكفروا تارك أعمال الجوارح؛ فقد هداهم الله إلى الحق والصواب في هذه المسألة؛ فالإيمان عندهم حقيقة مركبة يتجزّأ ويتبعّض, وإذا زال بعضه لم يستلزم ذلك زواله بالكليّة, قال شيخ الإسلام في المجموع (18/270) : " وأصلهم -أي أهل السنة- : أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه, كما في قوله عليه الصلاة والسلام (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم " .

فهذه المفارقة الأساسية بين الطائفتين تكفي في تبرئة أهل السنة من مذهب المرجئة الرديء.

الوجه الثالث :

من الفروق الأساسية بين الطائفتين؛ أن الإيمان عند المرجئة بجميع أصنافها لا يزيد ولا ينقص, يستوي فيه جميع المسلمين برِّهم وفاجرهم !

قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع (12/471) : " وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية, فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية, والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين من الملائكة والنبيين والمقربين والمقتصدين والظالمين " .

وقولهم هذا -في الحقيقة- بنوه على قولهم السابق في الوجه الثاني أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يقبل التبعيض !!

أما أهل السنة, فقد خالفوا المرجئة وفارقوهم في هذا الأصل الفاسد؛ فالإيمان عندهم يزيد وينقص؛ يزيد حتى يصير كالجبال, وينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى من مثقال ذرة, بل قد يزول بالكلية إذا ارتكب صاحبه ناقضاً من نواقض الإيمان القولية أو الفعلية .

الوجه الرابع :

من أهم الفروق الأساسية بين الطائفتين :

أن أصل قول المرجئة في عدم تكفير تارك جنس العمل بنوه على أن العمل ليس من الإيمان كما سبق بيانه في الوجه الأول .

أما أهل السنة, فقد خالفوا المرجئة وفارقوهم في هذا الأصل الفاسد؛ فالعمل عندهم من صميم الإيمان ومن حقيقته .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجموع (7/371) : " والذين لا يكفرون من ترك هذه المبانى يجعلونها من الإسلام كالشافعي ومالك وأبى حنيفة وغيرهم " .

وهذه المفارقة الأساسية والتي قبلها بين الطائفتين هما الفيصل الذي جعله السلف أساسا في البراءة من الإرجاء وأهله .

- قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله :

" خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث :

نقول : الإيمان قول وعمل, وهم يقولون : الإيمان قول ولا عمل !

ونقول : الإيمان يزيد وينقص, وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص !

ونحن نقول : النفاق, وهم يقولون لا نفاق ! " . صفة المنافق (ص74)

- وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : " ويقول أهل السنة : الإيمان المعرفة والقول والعمل؛ فمن قال: الإيمان قول وعمل فقد أخذ بالوثيقة, ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فقد خاطر " . انظر (السنة) لعبد الله بن أحمد (ص376)

- وعن إسماعيل بن سعيد قال: " سألت أحمد عن من قال: الإيمان يزيد وينقص فقال: هذا بريء من الإرجاء " . انظر السنة للخلال (3/581)

- وقال الإمام البر بهاري رحمه الله : " ومن قال الإيمان قول وعمل يزيد ينقص فقد خرج من الإرجاء أوّله وآخره " انظر شرح السنة (ص57)

الوجه الخامس :

من الفروق الأساسية بين الطائفتين : مسألة الاستثناء في الإيمان؛ فالمرجئة بجميع أصنافها لايرون الاستثناء في الإيمان, بل يحرمونه, ويسمّون من يستثني في إيمانه : الشكّاكة !

قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع (7/429) : " وأما الاستثناء في الإيمان؛ بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله, فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه, ومنهم من يحرمه, ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين, وهذا أصح الأقوال؛ فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئا واحدا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه؛ فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين, وكما اعلم أني قرأت الفاتحة, وكما أعلم أني أحب رسول الله وأني أبغض اليهود والنصارى ... وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله, لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله, قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة " .

هذا مذهب المرجئة في الاستثناء .

أما أهل السنة, فمذهبهم مباينٌ لمذهب المرجئة في هذه المسألة؛ فهم يرون جواز الاستثناء في الإيمان, ومأخذهم في ذلك: أن الإيمان يتضمن فعل الواجبات؛ فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى؛ فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم .

قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع (7/438-439) : " وأما مذهب سلف أصحاب الحديث, كابن مسعود وأصحابه والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة, فكانوا يستثنون في الإيمان, وهذا متواتر عنهم, لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثنى لأجل الموافاة وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه, بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم " .

الوجه السادس :

مرجئة الفقهاء يرون أن من صدّق بقلبه وأقرّ بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان وإن ترك أعمال الجوارح ! قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله : " المرجئة تقول : المؤمن المقرّ مستكمل الإيمان " انظر التمهيد (4/242) .

أما أهل السنة الذين شاركوهم في عدم تكفير تارك أعمال الجوارح, فيرون أن إيمان هذا ناقص جدا وقريبٌ من الزوال, ويُخشى عليه من الكفر .

فكم هو الفرق الهائل بين من يجعل إيمان أفجر فسّاق المسلمين مثل إيمان جبريل عليه السلام ومن يجعل إيمانه في أدنى الدركات ؟!

الوجه السابع :

من الفروق الأساسية بين الطائفتين :

أن المرجئة لا يكفرون إلا بالجحود والتكذيب القلبيان، وحيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب من التصديق ، لا لأن هذا الفعل أو القول كفرٌ في حدّ ذاته !

أما أهل السنة، فعندهم أن الكفر يكون بالقول والاعتقاد والفعل، كما أن الإيمان قول واعتقاد وعمل .

والكفر عندهم يتنوع وليس محصورا في التكذيب والجحود فقط، بل يكون أيضا بالاستكبار والعناد وبالشك وبالإعراض .

فهذه مفارقة أساسية منهم لمذهب الإرجاء الرديء .

وفي ختام هذا البحث المتواضع أقول : لقد بان لكلّ ذي عينين أن القول بعدم تكفير تارك جنس العمل (عمل الجوارح) قد قال به طائفة كثيرة من أهل السنة والجماعة من السابقين واللاحقين وقد ذكرنا نصوصهم المستفيضة في ذلك, وبان فساد قياس وإلحاق أهل السنة القائلين بعدم تكفير تارك جنس العمل (عمل الجوارح) بمرجئة الفقهاء أو غيرهم, مما يحجز كلّ عاقل ومنصف عن أن يرميَ القائلين بذلك من علمائنا الأخيار بأنهم مرجئة أو وافقوا المرجئة! كيف ذلك وهم يفارقونهم في أصولهم الضالة الباطلة ؟!

درّة نادرة

قال الفضيل بن عياض رحمه الله : " يقول أهل البدع : الإيمان الإقرار بلا عمل, والإيمان واحد وإنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان !

ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) .

وتفسير من يقول: الإيمان لا يتفاضل, يقول: إن الفرائض ليست من الإيمان, فميز أهل البدع العمل من الإيمان وقالوا: إن فرائض الله ليست من الإيمان, ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية؛ أخاف أن يكون جاحدا للفرائض رادا على الله عز وجل أمره .

ويقول أهل السنة : إن الله عز وجل قرن العمل بالإيمان, وأن فرائض الله عز وجل من الإيمان؛ قالوا : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فهذا موصول العمل بالإيمان .

ويقول أهل الإرجاء : إنه مقطوع غير موصول !

وقال أهل السنة : (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) فهذا موصول .

وأهل الإرجاء يقولون : بل هو مقطوع !

قال أهل السنة : (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) فهذا موصول وكل شيء في القرآن من أشباه ذلك فأهل السنة يقولون: هو موصول مجتمع .

وأهل الإرجاء يقولون : هو مقطوع متفرق !

ولو كان الأمر كما يقولون لكان من عصى وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل وكان إقراره يكفيه من العمل !

فما أسوأ هذا من قول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وقال فضيل : أصل الإيمان عندنا وفرعه بعد الشهادة والتوحيد وبعد الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالبلاغ وبعد أداء الفرائض : صدق الحديث وحفظ الأمانة وترك الخيانة والوفاء بالعهد وصلة الرحم والنصيحة لجميع المسلمين والرحمة للناس عامة .

قيل له -يعني فضيلا- : هذا من رأيك تقوله أو سمعته ؟

قال : بل سمعناه وتعلمناه, ولو لم آخذه من أهل الفقه والفضل لم أتكلم به .

وقال فضيل : يقول أهل الإرجاء : الإيمان قول بلا عمل, ويقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل !

ويقول أهل السنة : الإيمان المعرفة والقول والعمل؛ فمن قال: الإيمان قول وعمل فقد أخذ بالوثيقة, ومن قال: الإيمان قول بلا عمل فقد خاطر؛ لأنه لا يدري أيقبل إقراره أو يرد عليه بذنوبه . وقال يعني فضيل قد بينت لك إلا أن تكون أعمى " . السنة لعبد الله بن أحمد (ص375-376) .

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

وكتبه أبو لقمان السلفي

في : 26/11/1427

==================

حواش :

(1) للإمام أحمد روايات في تكفير تارك الصلاة والزكاة وفي عدم التكفير، ورأيه هنا يوافق قوله بعدم تكفير تارك هذه الأركان .

(2) قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع ( 5/396) : " وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإبانة واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبى يعلى وكتبها بخطه " .

(3) يشير إلى الطائفتين السابقتين من أهل السنة والحديث .

(4) في الأصل بها والصواب ما أثبتناه .

(5) الأصل من الإيمان والسياق يقتضي ما أثبتناه .

(6) وقد امتدحه شيخ الإسلام ابن تيمية في مسائل الإيمان والإرجاء؛ قال رحمه الله في المجموع (4/18-19) : " وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل ‏‏القدر و‏الإرجاء‏‏ ونحو ذلك بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة‏.‏ وكذلك ما ذكره في ‏[‏باب الصفات‏]‏ فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث لكونه يثبت في الأحاديث الصحيحة ويعظم السلف وأئمة الحديث ويقول إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك‏.‏ لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات، وإن كان ‏‏أبو محمد بن حزم‏‏ في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره .

(7) وكتاب الاعتقاد هذا من مطبوعات رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وقد طبع بطلب من سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى .

قال محقق الكتاب (ص5) : " فقد أحال إليّ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام ... كتاب الاعتقاد للإمام الحافظ البيهقي برقم (1277/خ وتاريخ 14/11/1406هـ) يطلب مني القيام بتخريج أحاديثه، والتنبيه على المسائل المخالفة لمذهب السلف الصالح مما أورد المؤلف فيه ".

ثم قال المحقق في هامش (ص7) : " تنبيه : بعد تخريج أحاديث الكتاب والتعليق عليه طلب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله من فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي مراجعته والإفادة عماّ يلاحظه عليه . فأجابه بأنه قرأ الكتاب من أوله إلى آخره .. وأنه لاحظ أنه فيه مواضع تحتاج إلى تعليق .. ثم علق عليها . وعددها ثمان تعليقات .. وعند ذلك أمر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله بطبع الكتاب " .

(8) قال محقق الكتاب الدكتور محمد بن عبد الله الغامدي في (1/4) وهو يتحدث عن عقيدة المؤلف : " ينفرد أبو محمد اليمني رحمه الله تعالى عمّن سبقه ممن كتب في الفرق بأنه سلفي العقيدة، وهذا ظاهر في كتابه؛ في ردوده على الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، وعرضه لعقيدتهم، ثم ختم كتابه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة ...وتتضح عقيدته السلفية في تفاصيل كتابه؛ مبيناً لعقيدة السلف وناصراً لها ومدافعاً عنها، وراداً على خصومها " .

(9) هكذا في الأصل ولعل هناك سقطاً !!

(10) أول من نقل هذا الإجماع عن الإمام الشافعي هو الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى ثم نقله من بعده شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره في مواضع من مجموع فتاواه, وأحال على كتاب الأم للشافعي, فلم أجده لا أنا ولا غيري, ولعله اعتمد في ذلك على نقل الإمام اللالكائي رحمه الله !!

(11) انظر آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص192)

(12) ونقله أيضا بالسند نفسه في كتابه الاعتقاد (ص200) .

(13) ونقل هذه المحاورة أيضا : الحافظ ابن عبد البر كما في تهذيب السنن (12/294) لابن القيم, وعون المعبود للعظيم آبادي (10/208) رحم الله الجميع .

(14) ولم يقل : سياق ما روى عن النبي في كفر تارك العمل فتنبه !

(13) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجموع (7/371) : " والذين لا يكفرون من ترك هذه المبانى يجعلونها من الإسلام كالشافعي ومالك وأبى حنيفة وغيرهم " .

(16) يؤكد هذا أيضا أنهم لم يكفروا أهل البدع الذين ليس عندهم بدع مكفرة .

(14) هذا الحديث روي عن سعد ابن أبي وقّاص وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أبي بن كعب بلفظ : ( ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت ) وله شاهد أيضا من حديث علي بلفظ ( ... ومن قال : صهٍ فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له ) . هذا وقد اتفق أهل العلم على أن صلاته جائزة، وليس عليه أن يصلي بدلها الظهر . ذكر ذلك المروزي في تعظيم قدر الصلاة . 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق